الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 155
تقربكم إلى اللّه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (4) في دعواكم
وَمَنْ استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا يعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وهم الأصنام لا وفي السمين: قوله: أو أثارة العامة على أثارة وهي مصدر على فعالة كالغواية والضلالة ومعناها البقية، وتستعمل في غير ذلك، وقيل: اشتقاقها من أثر كذا أي أسنده، وقيل: فيها غير ذلك، وقرأ علي، وابن عباس، وزيد بن علي، وعكرمة: في آخرين أثرة دون ألف وهي الواحدة، وتجمع على أثر كشجرة وشجر، وقرأ الكسائي: أثرة وإثرة بضم الهمزة وكسرها مع سكون الثاء، وقتادة والسلمي بالفتح والسكون، والمعنى بما يؤثر ويروى أي ائتوني بخبر واحد يشهد بصحة قولكم، وهذا على سبيل التنزل للعلم بكذب المدعى اهـ.
وعبارة الخطيب: أو اثارة أي بقية من علم يؤثر على الأولين بصحة دعواكم في عبارة الأصنام أنها تقربكم إلى اللّه تعالى، وقال المبرد: أثارة ما يؤثر من علم كقولك: هذا الحديث يؤثر عن فلان، ومن هذا المعنى سميت الأخبار آثارا، يقال: جاء في الأثر كذا. وقال الواحدي: وكلام أهل اللغة في هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال، الأول: الاثارة واشتقاقها من أثرت الشيء أثيره أثارة كأنها بقية تستخرج فتثار. والثاني: من الأثر الذي هو الرواية. والثالث: من الأثر. بمعنى العلامة. وقال الكلبي في تفسير الإثارة أي: بقية من عمل يؤثر عن الأولين أي: يسند إليهم، وقال مجاهد، وعكرمة، ومقاتل: رواية عن الأنبياء، قال الرازي: وههنا قول آخر أو اثارة من علم هو علم الخط الذي يخط في الرمل، والعرب كانوا يخطونه وهو علم مشهور. روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه علم علمه» ، فعلى هذا الوجه معنى الآية ائتوني بعلم من قبل هذا الخط الذي تخطونه في الرمل يدل على صحة مذهبكم في عبادة الأصنام، فإن صح تفسير الآية بهذا الوجه كان ذلك من باب التهكم بهم وأقوالهم ودلائلهم، انتهت.
وفي القرطبي: وحكى مكي في تفسير قوله: كان نبي من الأنبياء يخط أنه كان يخط بإصبعه السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر اهـ.
قوله: (بصحة دعواكم) متعلق بكل من كتاب وأثارة، وقوله: إنها تقربكم معمول لدعواكم اهـ شيخنا.
قوله: وَمَنْ أَضَلُ الخ مبتدأ وخبر وقوله: من لا يستجيب له من نكرة موصوفة أو موصولة وهي مفعول بيدعو اهـ سمين.
قوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ظاهر الغاية الدالة على انتهاء ما قبلها بها أن بعدها تقع الاستجابة مع أنه ليس كذلك ويمكن أن يجاب بأن المراد بها التأييد كقوله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ [ص: 78] اهـ شهاب.
وقال في الانتصاف: في هذه الغاية نكتة وهي أنه تعالى جعل عدم الاستجابة مغيّي بيوم القيامة، فأشعرت الغاية بانتفاء الاستجابة في يوم القيامة على وجه أبلغ وأتم وأوضح وضوحا ألحقه بالبين الذي لا يتعرض لذكره، إذ هناك تتجدد العداوة والمباينة بينها وبين عابديها اهـ من الكرخي.