الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 191
الشرب وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى بخلاف عسل الدنيا، فإنه بخروجه من بطون النحل يخالطه الشمع وغيره وَلَهُمْ فِيها أصناف مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر بخلاف سيد العبيد في الدنيا فإنه قد يكون مع إحسانه إليهم ساخطا عليهم كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ للطاعمين، ولا قال في العسل مصفى للناظرين؟ أجاب الرازي: بأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يتلذذ به شخص ويعافه الآخر. فلذلك قال: لذة للشاربين بأسرهم، ولأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا فقال لذة أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة طعم، وأما الطعم واللون فلا يختلفان باختلاف الناس، فإن الحلو والحامض وغيرهما يدركه كل أحد لكن قد يعافه بعض الناس ويلتذ به البعض مع اتفاقهم أن له طعما واحدا، وكذلك اللبن فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجة اهـ خطيب.
قوله: مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى نقلوا في العسل التذكير والتأنيث، وجاء القرآن على التذكير في قوله:
من عسل مصفى اهـ.
وفي المصباح: العسل يذكر ويؤنث وهو الأكثر ويصغر على عسيلة على لغة التأنيث ذهابا إلى أنها قطعة من الجنس وطائفة منه اهـ.
وفي المختار: العسل يذكر ويؤنث يقال منه عسل الطعام أي: عمله بالعسل وبابه ضرب ونصر، وزنجيل معتسل أي: معمول به، والعاسل الذي يأخذ العسل من بيت النحل، والنحلة عسالة اهـ.
قوله: (و غيره) كفضلات النحل وغيره اهـ كرخي.
قوله: وَلَهُمْ خبر مقدم وقوله: فيها متعلق بما يتعلق به الخبر من الاستقرار المحذوف، والمبتدأ محذوف قدره بقوله أصناف، وقوله: من كل الثمرات نعت للمبتدأ المحذوف اهـ شيخنا.
وفي السمين: قوله: من كل الثمرات فيه وجهان، أحدهما: أن هذا الجار صفة لمقدر، وذلك المقدر مبتدأ وخبره الجار قبله وهو لهم وفيها متعلق بما تعلق به والتقدير: ولهم فيها زوجان من كل الثمرات كأنه انتزعه من قوله تعالى: فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ [الرحمن: 52] قدره بعضهم صنف والأول أليق. والثاني: أن من مزيدة في المبتدأ اهـ.
وقوله: ومغفرة معطوف على المبتدأ المحذوف، وخبره قوله لهم ولما ورد عليه أن المغفرة قبل دخول الجنة وهذه الآية تقتضي أنها فيها أشار الشارح إلى أن المراد بالمغفرة الرضا وهو يكون في الجنة حيث قال: فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر أي بالمشروبات والفواكه، وعبارة الخازن: فإن قلت المؤمن المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة، فكيف يكون له فيها المغفرة؟ قلت: ليس بلازم أن يكون المعنى ولهم فيها مغفرة لأن الواو لا تقتضي الترتيب، فيكون المعنى ولهم فيها من كل الثمرات ولهم فيها مغفرة قبل دخولهم إليها وجواب آخر وهو أن المعنى ولهم مغفرة فيها برفع التكاليف عنهم فيما يأكلون ويشربون بخلاف الدنيا، فإن مأكولها ومشروبها يترتب عليه حساب وعقاب ونعيم الجنة لا حساب عليه ولا عقاب فيه، انتهت.
والثاني في كلامه هو مراد الشارح تأمل اهـ شيخنا.