الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 207
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ بجهادك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ منه لترغيب أمتك في الجهاد، وهو مؤول على المشركين حتى سألوه الصلح فكان سببا لفتح مكة، وتفرغ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لسائر العرب فغزاهم وفتح مواضع وأدخل في الإسلام خلقا عظيما وعلى هذا فمعنى فتحنا أوجدنا لك سبب الفتح، وذلك السبب هو صلح الحديبية، فإنه هو السبب في فتح مكة، وقيل: الفتح بمعنى القضاء أي قضينا لك أن تدخل مكة من قابل، انتهت مع بعض تصرف.
وفي القرطبي: اختلف العلماء في هذا الفتح فالذي في البخاري أنه صلح الحديبية. قال موسى ابن عقبة: قال رجل: عند منصرفهم من الحديبية: ما هذا بفتح لقد صدونا عن البيت، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا» . وقال الشعبي في قوله: إنا فتحنا لك فتحا مبينا هو فتح الحديبية، لقد أصاب فيها ما لم يصب في غزوة غيرها غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرحت المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال الزهري: لقد كان فتح الحديبية أعظم الفتوح، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جاء إليها في ألف وأربعمائة، فلما وقع الصلح مشى الناس بعضهم على بعض وعلموا وسمعوا عن اللّه فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف. وقال مجاهد، والعوفي: هو فتح خيبر، والأول قول الأكثر، وخيبر إنما كانت وعدا وعدوه على ما يأتي بيانه في قوله: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ [الفتح: 15] وقوله: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها [الفتح: 20] فعجل لكم هذه، انتهى.
قوله: (عنوة) هذا مذهب أبي حنيفة ومذهب الشافعي أنها فتحت صلحا، وعبارة المنهاج:
وفتحت مكة صلحا. قال الرملي في شرحه كما دل عليه قوله تعالى: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الفتح: 22] أي: أهل مكة، وقوله: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: 24] وإنما دخلها صلّى اللّه عليه وسلّم متأهبا للقتال خوفا من غدرهم ونقضهم للصلح الذي وقع بينه وبين أبي سفيان قبل دخولها. وفي البويطي: أن أسفلها فتحة خالد عنوة، وأعلاها فتحه الزبير رضي اللّه عنهما صلحا، ودخل صلّى اللّه عليه وسلّم من جهته فصار الحكم له وبهذا تجتمع الأخبار التي ظاهرها التعارض اهـ.
قوله: (بجهادك) متعلق بقول الشارح بفتح مكة، وهذا جواب عن إيراد حاصله أن الفتح مسند للّه فهو من أفعاله، فكيف يترتب عليه قوله: ليغفر لك اللّه، والمغفرة للشخص إنما تكون لأجل شيء من أفعال غيره، وحاصل الجواب: أن الفتح وإن كان فعلا للّه لكنه لما ترتب على فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو الجهاد صح أن يترتب عليه أي: على الفتح المغفرة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ من حواشي البيضاوي.
قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ الالتفات إلى الذات المستتبع لجميع الصفات كالغفر والإنعام والنصر لأجل الإشعار بأن كل واحد من الأمور الأربعة الداخلية تحت لام الغاية صادر عنه تعالى من حيثية الأخرى مترتب على صفة من صفاته تعالى اهـ أبو السعود.
فمغفرة الذنوب من حيث إنه تعالى غفار، وهداية الصراط من حيث انه هاد، وهكذا ويجمع الكل لفظ اللّه فإنه اسم للذات المستجمع للصفات اهـ شيخنا.