الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 234
وَرَسُولِهِ المبلغ عنه أي بغير إذنهما وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقولكم عَلِيمٌ (1) بفعلكم، نزلت في مجادلة أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تأمير الأقرع بن حابس أو القعقاع بن أمور الدين بغير إذن اللّه ورسوله بحالة من تقدم بين يدي متبوعه إذا سار في طريق، فإنه في العادة مستهجن، ثم استعمل في جانب المشبه ما كان مستعملا في جانب المشبه به من الألفاظ، والغرض تصوير كمال الهجنة وتقبيح قطع الحكم بغير إذن اللّه ورسوله، ومثله قوله تعالى في حق الملائكة:
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [الأنبياء: 27] أصله لا يسبق قولهم قوله، فنسب السبق إليهم وجعل القول محله تنبيها على استهجان السبق المعرض به للقائلين على اللّه ما لم يقله، أو المراد بين يدي رسول اللّه، وذكر لفظ اللّه تعظيما للرسول وإشعارا بأنه من اللّه بمكان يوجب إجلاله، وعلى هذا فلا استعارة، وإليه يميل كلام الشيخ المصنف اهـ كرخي.
وفي الشهاب: في هذا الكلام تجوزان، أحدهما في بين اليدين فإن حقيقته ما بين العضوين فتجوز بهما عن الجهتين المقابلتين اليمين والشمال القريبتين منه بإطلاق اليدين على ما يجاورهما ويحاذيهما، فهو من المجاز المرسل، ثم استعير الجملة وهي التقدم بين اليدين استعارة تمثيلية للقطع بالحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن تلزمه متابعته تصويرا لهجنته وشناعته بصورة المحسوس كتقدم الخادم بين يدي سيده في مسيره، فنقلت العبارة الأولى بما فيها من المجاز إلى ما ذكر على ما عرف في أمثاله، هذا محصل ما في الكشاف وشروحه اهـ.
وفي الخطيب: بين يدي اللّه ورسوله معناه بحضرتهما، لأن ما يحضره الإنسان فهو بين يديه ناظر إليه، وحقيقته: جلست بين يدي فلان أي نجلس بين الجبهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبا منه، فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه في غير موضع اهـ.
وفي الخازن: والمعنى لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول اللّه أو قبل أن يفعل اهـ.
وفي البيضاوي: والمعنى لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكم اللّه ورسوله به اهـ.
وقطع الأمر الجزم به والجرأة على ارتكابه من غير إذن من له الإذن اهـ شهاب.
قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي في التقدم الذي نهى عنه أو في مخالفة الحكم المنهي عنه اهـ كرخي.
قوله: (على النبي) الأولى أن يقول عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ففي الحديث أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وطلبوا أن يؤمر عليهم واحدا منهم، فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر:
بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا أي تخاصما حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت اهـ قاري.
وقول عمر: ما أردت خلافك أي: ما أردت مخالفتك تعنتا، وإنما أردت أن تولية الأقرع في هذا المكان أصلح ولم يظهر لك ذلك، فأمرت بتولية غيره اهـ شبر املسي على المواهب.
وقول القاري: فنزلت أي هذه الآيات الخمس آخرها قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ