الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 235
معبد. ونزل فيمن رفع صوته عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ إذا نطقتم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ إذا نطق وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ إذا ناجيتموه كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ بل دون ذلك الآية كما أشار له البخاري، وصرح به القرطبي حيث قال بعد ما ذكر السبب المذكور: فنزل في ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا إلى قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ الآية. فكلها نزلت بسبب وفد تميم، فقول الشارح: ونزل فيمن رفع صوته كأبي بكر وعمر في القصة المذكورة، وقوله:
ونزل فيمن كان يخفض صوته عند النبي الخ، أي: بسبب ما وقع من أبي بكر وعمر من رفع صوتهما في القصة المذكورة حيث ترتب عليه نزول النهي عن رفع الصوت، فصارا يخفضان صوتهما عند النبي، وقوله: ونزل في قوم الخ وهم وفد تميم الذين تكلم في شأنهم أبو بكر وعمر فليتأمل. فتلخص أنه لما اختلف أبو بكر وعمر في تأمير الأمير على الوفد المذكور، ولم يصبروا حتى يكون رسول اللّه هو الذي يشير بذلك نزل قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الآية. ولما رفعا أصواتهما في تلك القضية نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ الآية. ولما خفضا أصواتهما بعد ذلك نزل: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ الآية. ولما نادى الوفد المذكور النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء الحجرات نزل: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ [الحجرات: 4] الآيتين تأمل. قوله: (و نزل فيمن رفع صوته الخ) كأبي بكر وعمر في القصة المذكورة كالوفد المذكور فإنهم رفعوا أصواتهم أيضا اهـ.
قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ الخ في إعادة النداء فوائد، منها: أن في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كقول لقمان لابنه: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان: 13] يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ [لقمان: 16] الخ يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ [لقمان: 17] لأن النداء تنبيه للمنادى ليقبل على استماع الكلام، ويفهم ما له منه فإعادته تفيد تجدد ذلك، ومنها: أن لا يتوهم أن المخاطب ثانيا غير المخاطب أولا، فإن من الجائز أن يقول القائل يا زيد افعل كذا وكذا يا عمرو، فإذا أعاد مرة أخرى وقال: يا زيد قل كذا وقل كذا يعلم أن المخاطب أولا هو المخاطب ثانيا، ومنها: أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود ليس الثاني تأكيدا للأول، كقولك: يا زيد لا تنطق ولا تتكلم إلا بالحق، فإنه لا يحسن أن تقول يا زيد لا تنطق يا زيد لا تتكلم كما يحسن عند اختلاف المطلوبين اهـ خطيب.
قوله: (إذا نطقتم) أي: تكلمتم، وقوله: إذا أنطق أي تكلم.
قوله: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ الخ لما كانت هذه الجملة كالمكررة مع ما قبلها مع أن العطف يأباه أشار المصنف كالكشاف إلى أن المراد بالأول إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم حدا يبلغه صوته، بل يكون كلامكم دون كلامه ليتميز منطقه، والمراد بهذا أنكم إذا كلمتموه وهو صامت فلا ترفعوا أصواتكم كما ترفعونها فيما بينكم فحصل التغاير. والبيضاوي: لما رأى أن تخصيص الأول بمكالمته معهم، والثاني بسكوته خلاف الظاهر، لأن الأول نهى عن أن يكون جهرهم أقوى من جهره كما هو صريح قوله فوق صوت النبي، وهذا نهي عن مساواة جهرهم لجهره عدل عنه، فحمل الأول على النهي عن زيادة صوتهم على صورته والثاني: على مساواة صوتهم لصوته فحصل التغاير أيضا بهذا الاعتبار اهـ من الشهاب.