فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 319
جَنَّةُ الْمَأْوى (15) تأوي إليها الملائكة وأرواح الشهداء والمتقين
إِذْ حين يَغْشَى السِّدْرَةَ ما إضافة الشيء إلى مكانه كقوله أشجار البستان، أو من إضافة المحل إلى الحال كقولك كتاب الفقه، والتقدير عند سدرة عندها منتهى العلوم، أو من إضافة ملك إلى المالك على حذف الجار والمجرور أي سدرة المنتهى إليه وهو اللّه عز وجل. قال تعالى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى اهـ كرخي.
وفي القرطبي: واختلف لم سميت سدرة المنتهى على ثمانية أقوال، الأول: ما تقدم عن ابن مسعود أنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها. والثاني: أنه ينتهى علم الأنبياء إليها ويعزب علمهم عما وراءها قاله ابن عباس. الثالث: أن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها قاله الضحاك. الرابع:
لانتهاء الملائكة إليها ووقوفهم عندها قاله كعب. الخامس: سميت سدرة المنتهى لأنه ينتهي إليها أرواح الشهداء قاله الربيع بن أنس. السادس: لأنه تنتهي إليها أرواح المؤمنين قاله قتادة. السابع: لأنه ينتهي إليها كل من كان على سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومنهاجه قاله علي رضي اللّه عنه، والربيع بن أنس أيضا.
الثامن: هي شجرة على رؤوس حملة العرش إليها ينتهي علم الخلائق قاله كعب أيضا.
قلت: يريد واللّه أعلم أن ارتفاعها وأعالي أغصانها قد جاوزت رؤوس حملة العرش دليله ما تقدم من أن أصلها في السماء السادسة وأعلاها في السماء السابعة، ثم علت فوق ذلك حتى جاوزت رؤوس حملة العرش واللّه أعلم، سميت بذلك لأن من رفع إليها فقد انتهى في الكرامة. وقال الماوردي في معاني القرآن له: فإن قيل: لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجرة؟ قيل: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف ظل مديد وطعام لذيذ ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا وعملا ونية، فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لطهوره. وروى أبو داود في سننه قال: حدثنا نصر بن علي قال: أنبأنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد اللّه بن حبشي قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قطع سدرة صوّب اللّه رأسه في النار» وسئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال: هذا الحديث مختصر. يعني من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها صوب اللّه رأسه في النار اهـ.
قوله: (أو المتقين) هكذا في بعض النسخ والمعنى عليه أو التي تأوي إليها أرواح المتقين، وفيه قصور لأن أرواح المؤمنين مطلقا تأوي إلى الجنة أي تنتهي وتسكنها، وفي بعض النسخ المتقون بالواو، والمعنى عليه أو التي يأوي إليها المتقون وفيه قصور أيضا، وعبارة غيره التي وعد بها المتقون، والأمر في ذلك سهل. وعبارة القرطبي: قال الحسن: هي التي يصير إليها المتقون، وقيل: إنها جنة تصير إليها أرواح الشهداء قاله ابن عباس وهي عن يمين العرش، وقيل: هي الجنة التي أوى إليها آدم عليه السّلام إلى أن أخرج منها، وهي في السماء الرابعة، وقيل: إن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى، وإنما قيل لها جنة المأوى لأنها يأوي إليها أرواح المؤمنين وهي تحت العرش يتنعمون بنعيمها، وقيل: لأن جبريل وميكائيل عليهما السّلام يأويان إليها واللّه أعلم.
قوله: ما يَغْشى في إبهام الموصول وصلته تعظيم وتكثير للغواشي التي تغشاها بحيث لا يكتنهها نعت ولا يحصيها عدد أي أشياء لا يعلم وصفها إلا اللّه تعالى اهـ كرخي.