فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 334
في الصحف على الثاني إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (42) المرجع والمصير بعد الموت فيجازيهم
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ من شاء أفرحه وَأَبْكى (43) من شاء أحزنه
وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ في الدنيا وَأَحْيا (44) للبعث
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الصنفين الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (45)
مِنْ نُطْفَةٍ مني إِذا تُمْنى (46) تصب في الرحم
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ بالمد والقصر الْأُخْرى (47) الخلقة الأخرى للبعث بعد الخلقة الأولى
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى الناس بالكفاية بالأموال وَأَقْنى (48) أعطى المال المتخذ قنية
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُ عند قوله: الْجَزاءَ الْأَوْفى اهـ كرخي.
قوله: إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى أي منتهى الخلق ومصيرهم إليه في الآخرة وهو مجازيهم بأعمالهم.
وفي المخاطب بهذا وجهان، أحدهما: أنه عام تقديره: وأن إلى ربك أيها السامع أو العاقل كائنا من كان المنتهى فهو تهديد بليغ للمسيء وحث شديد للمحسن، ليقلع المسيء عن إساءته ويزداد المحسن في إحسانه. الوجه الثاني: أن المخاطب بهذا هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيكون فيه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى: لا تحزن فإن إلى ربك المنتهى، وقيل: في معنى الآية منه ابتداء المنة وإليه انتهاء المآل اهـ خازن.
والمناسب لصنيع الشارح حيث قال فيجازيهم هو الثاني، وبعد ذلك في الكلام وقفة من حيث إن هذا الخطاب في جملة ما في صحف موسى أو إبراهيم فالمناسب أن يكون المخاطب به موسى وإبراهيم على التوزيع تأمل قوله: (المرجع والمصير) أي الرجوع فالمنتهى مصدر ميمي بمعنى الانتهاء اهـ.
قوله: (أفرحه) أشار به إلى أن المراد الضحك حقيقة، وأنه الفرح، وأن البكاء كذلك وأنه الحزن، وأن كلا من الفعلين حذف مفعوله. قال الحسن: أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار، وقيل: إن الفعلين من الأفعال اللازمة كقوله: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ [آل عمران: 156] وهذا يدل على أن ما يعمل الإنسان فبقضائه وخلقه حتى الضحك والبكاء اهـ كرخي.
قوله: (الصنفين) الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أي من كل حيوان، ولم يرد آدم وحواء لأنهما لم يخلقا من نطفة، وهذا أيضا من جملة المتضادات الواردة على النطفة، فبعضها يخلق ذكرا، وبعضها يخلق أنثى، ولا يصل إليهم فهم الطبائعيين الذين يقولون من البرد والرطوبة في الأنثى، فرب امرأة أحر وأيبس مزاجا من الرجل. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ ولم يقل: وأنه هو خلق كما قاله: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى؟ فالجواب: أن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنهما بفعل الإنسان وكذا الإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم فيهما أبعد، لكن ربما يقول به جاهل كما قال من حاج إبراهيم أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: 258] فأكد ذلك بالفصل، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أنه بفعل أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل اهـ كرخي.
قوله: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى أي بحكم الوعد، فإنه قال: إنا نحن نحيي ونميت لا بحكم العقل ولا الشرع اهـ خطيب.
قوله: (بالمد والقصر) سبعيتان.
قوله: وَأَقْنى قال الزمخشري: أعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا يخرج من