فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 364
الرحمن حتى ختمها، ثم قال: ما لي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلا قالوا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد»
خَلَقَ الْإِنْسانَ آدم مِنْ صَلْصالٍ طين يابس يسمع له صلصلة أي صوت إذا وصنيع أبي السعود يقتضي أن الاستفهام للتوبيخ والإنكار، ونص عبارته: والفاء لترتيب الإنكار والتوبيخ على ما فصل من فنون النعم وصنوف الآلاء الموجبة للشكر والإيمان حتما، والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية الكلية والتربية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد التنكير وتشديد التوبيخ، ومعنى تكذيبهم بالآلاء كفرهم بها إما بإنكار كونهم نعمة مع نفسها كتعليم القرآن وما يستند إليه من النعم الدينية، وإما بإنكار كونها من اللّه تعالى مع الاعتراف بكونها نعمة في نفسها كالنعم الدنيوية، والتعبير عن كفرهم المذكور بالتكذيب لما أن دلالة الآلاء المذكورة على وجوب الإيمان والشكر شهادة منها بذلك، فكفرهم بها تكذيب بها لا محالة أي: فإذا كان الأمر كما فصل فبأي فرد من أفراد آلاء مالككما ومربيكما بتلك الآلاء تكذبان مع أن كلّا منها ناطق بالحق شاهد بالصدق اهـ بحروفه.
قوله: (ثم قال مالي أراكم سكوتا الخ) يؤخذ من هذا أنه يسن لسامع القارئ لهذه السورة أن يجيبه بالجواب المذكور كلما قرأ الآية المذكورة كما فعلت الجن، وأقرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك ولام على الصحابة في سكوتهم، وصرح بالسنية الكازروني في تفسيره اهـ شيخنا.
قوله: (كانوا أحسن منكم ردا) أي: جوابا اهـ.
وقوله: من مرة من زائدة، وقوله: فبأي الخ بدل من هذه الآية.
قوله: (إلّا قالوا ولا بشيء من نعمك الخ) هذا يقتضي أن جميع الجمل المذكورة في السورة من النعم، وفيها قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن: 26] وقوله: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ [الرحمن: 35] فكيف حسن الإتيان بعدها بلفظ النعم بقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟ وأجيب: بأن من جملة الآلاء دفع البلاء وتأخير العذاب وإبقاء ما هو مخلوق لوقت فنائه نعمة وتأخير العذاب عن العصاة أيضا نعمة، فلهذا امتن علينا بذلك وبالتسوية في الموت بين الشريف والوضيع اهـ كرخي.
قوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ الخ تمهيدا للتوبيخ على اخلالهم بواجب شكر النعم المتعلقة بذات كل واحد من الثقلين اهـ أبو السعود.
قوله: (إذا نقر) أي: ليختبر هل فيه عيب أو لا اهـ شيخنا.
قوله: كَالْفَخَّارِ أي: في أن كلّا منهما يسمع له صوت إذ نقر هذا هو وجه الشبه اهـ شيخنا.
فإن قلت: كيف قال هنا من صلصال كالفخار، وقال في الحجر: مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر: 28 و26 و33] من طين أسود متغير، وقال في والصافات: مِنْ طِينٍ لازِبٍ [الصافات: 11] أي: لازم يلصق باليد، وقال في آل عمران: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ؟ [آل عمران: 59] قلت: هذه الآيات كلها متفقة في المعنى لأنه تعالى خلقه من تراب ثم جعله طينا ثم حمأ مسنونا ثم صلصالا اهـ شيخ الإسلام في متشابه القرآن.