فهرس الكتاب

الصفحة 2888 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 430

واتخاذ الصوامع ابْتَدَعُوها من قبل أنفسهم ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ما أمرناهم بها إِلَّا لكن فعلوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ مرضاة اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها إذ تركها كثير منهم، وكفروا بدين والمعنى فرضنا عليهم لزوم رهبانية ابتدعوها، ولهذا قال: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان اللّه.

والوجه الثاني: أنها منصوبة بفعل مقدر يفسره الظاهر فتكون المسألة من باب الاشتغال، وإليه نحا الفارسي والزمخشري وأبو البقاء وجماعة، إلا أن هؤلاء يقولون إنه إعراب المعتزلة، وذلك أنهم يقولون ما كان من فعل الإنسان فهو مخلوق له، فالرأفة والرحمة لما كانتا من فعل اللّه نسب خلقهما إليه، والرهبانية لما لم تكن من فعل اللّه تعالى بل من فعل العبد يستقل بفعلها نسب ابتداعها إليه اهـ سمين.

قوله: (هي رفض النساء الخ) عبارة البيضاوي: وهي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس منسوبة إلى الرهبان وهو المبالغ في الخوف من رهب كالخشيان من خشي، وقرئت بالضم كأنها منسوبة إلى الرهبان جمع راهب كراكب وركبان اهـ.

وفي الخازن: وهي ترهبهم في الجبال والكهوف والغيران والديور فارين من الفتنة وحملوا أنفسهم المشاق في العبادة الزائدة وترك النكاح واستعمال الخشن في المطعم والمشرب والملبس مع التقلل من ذلك. روي عن ابن عباس قال: كانت ملوك بعد عيسى عليه السلامة بدلوا التوراة والإنجيل وكان فيهم جماعة مؤمنون يقرأون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين اللّه، فقيل لملوكهم: لو جمعتم هؤلاء الذي شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا: ما تريدون منا إلا ذلك دعونا نحن نكفيكم أنفسنا. فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا فيها ثم أعطونا شيئا ترفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم، وطائفة قالت: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنو لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول ولا نرد عليكم ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم. قال: ففعلوا ذلك فمضى أولئك على منهاج عيسى وخلف قوم من بعدهم ممن غيروا الكتاب، فجعل الرجل يقول تكون في مكان فلان نتعبد فيه كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله عز وجل: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها يعني ابتدعها الصالحون، فما رعوها حق رعايتها يعني الآخرين الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ يعني (الذين ابتدعوها ابتغاء رضوان اللّه وكثير منهم فاسقون هم الذين جاؤا من بعدهم) ، فلما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يبق منهم إلا القليل انحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب دير من ديره فامنوا به وصدقوه، فقال اللّه تعالى فهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ* الخ اهـ.

قوله: (و اتخاذ الصوامع) جمع صومعة وهي بناء معقود دقيق الرأس اهـ.

قوله: ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ صفة لرهبانية، ويجوز أن يكون مستأنفا اهـ سمين.

قوله: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ استثناء منقطع، ولذا فسره بقوله لكن على عادته، وإلى هذا ذهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت