فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 429
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) لا حاجة له إلى النصرة، لكنها تنفع من يأتي بها
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ يعني الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فإنها في ذرية إبراهيم فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (26)
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً هي رفض النساء قوله: (لكنها تنفع من يأتي بها) يعني ليصل بامتثال الأمر فيها إلى الثواب اهـ كرخي.
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا الخ تكرير القسم لإظهار مزيد الاعتناء بالأمر أي وتاللّه لقد أرسلنا نوحا وإبراهيم الخ اهـ كرخي.
ونوح هو الأب الثاني لجميع البشر، وإبراهيم أبو العرب والروم وبني إسرائيل اهـ خطيب.
قوله: (و الفرقان) في نسخة والقرآن، وقوله: فإنها في ذرية إبراهيم أي وإبراهيم من ذرية نوح، فبهذا الاعتبار صح قوله في ذريتهما اهـ شيخنا.
قوله: فَمِنْهُمْ أي من الذرية أو من المرسل إليهم، والأول أولى لتقدم ذكرهم لفظا، وأما الثاني فلدلالة أرسلنا والمرسلين عليه، والمراد بالفاسق ههنا قيل الذي ارتكب الكبيرة سواء كان كافرا أو لم يكن لإطلاق هذا الاسم وهو يشمل الكافر وغيره، وقيل: المراد بالفاسق هنا الكافر لأنه جعل الفساق ضد المهتدين وهو قضية إطلاق الشيخ المصنف اهـ كرخي.
قوله: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا أي أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهينا إلى عيسى عليه السّلام، والضمير لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم أو من عاصرهما من الرسل لا الذرية، فإن الرسل المقفى بهم من الذرية اهـ بيضاوي.
وصنيع أبي السعود يقتضي أن الباء زائدة في المفعول ونصه: أي ثم أرسلنا بعدهم رسلنا اهـ.
وفي المختار: قفا أثره اتبعه وبابه عدا وسما، وقفى على أثره بفلان أي أتبعه أياه، ومنه قوله تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا ومنه أيضا الكلام المقفى اهـ.
قوله: وَقَفَّيْنا أي أتبعنا بعيسى، والمفعول محذوف أي أتبعناهم بعيسى أي جعلناه تابعا لهم أي متأخرا عنهم في الزمان. قوله: وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أي على دينه يعني الحواريين وأتباعهم رأفة ورحمة أي مودة فكان يواد بعضهم بعضا، وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس، فألان اللّه قلوبهم لذلك بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا الكلم عن مواضعه، والرأفة اللين والرحمة الشفقة، وقيل الرأفة أشد الرحمة اهـ قرطبي.
قوله: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها في انتصابها وجهان، أحدهما: أنها معطوفة على رأفة ورحمة وجعل إما بمعنى خلق أو بمعنى صير وابتدعوها على هذا صفة لرهبانية، وإنما خصت بذكر الابتداع لأن الرأفة والرحمة في القلب أمر غريزي لا تكسب للإنسان فيه بخلاف الرهبانية، فإنها من أفعال البدن وللإنسان فيها تكسب، إلا أن أبا البقاء منع هذا الوجه بأن ما جعله اللّه لا يبتدعونه. وجوابه ما تقدم من أنها لما كانت مكتسبة صح ذلك فيها، وقال أيضا: وقيل هو معطوف عليها وابتدعوها نعت للمعطوف،