فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 44
موضعا كَرِيمًا (31) هو الجنة
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ من جهة الدنيا أو مختص بعد دخل، فإن فيه هذين المذهبين، وهذه القراءة واضحة لأن اسم المصدر والمكان جاريان على فعلهما. وأما قراءة نافع فتحتاج إلى تأويل، وذلك لأن المفتوح الميم إنما هو من الثلاثي، والفعل السابق لهذا كما رأيت رباعي، فقيل: إنه منصوب بفعل مقدر مطاوع لهذا الفعل، والتقدير وندخلكم فتدخلون مدخلا منصوب على ما تقدم إما المصدرية وإما المكانية بوجهيها، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد نحو أنبتكم من الأرض نباتا على إحدى القراءتين اهـ.
قوله: وَلا تَتَمَنَّوْا الخ التمني نوع الإرادة يتعلق بالمستقبل كالتلهف نوع يتعلق بالماضي، فنهى اللّه سبحانه المؤمنين عن التمني، لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل اهـ قرطبي.
وقوله: ما فَضَّلَ اللَّهُ الخ أي نفس الذي فضل اللّه به بعضكم على بعض، كأن يتمنى الشخص انتقال مال غيره إليه أو انتقال ماله من العبادة إليه، وهذا هو الحسد المذموم. وعبارة القرطبي: فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر وهذا هو الحسد بعينه، وهو الذي ذمه اللّه تعالى بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 54] ويدخل فيه أيضا خطبة الرجل على خطبة أخيه، وبيعه على بيعه، لأنه داعية على الحسد والمقت اهـ.
وعبارة الخازن: أصل التمني إرادة الشيء وتشتهي حصول ذلك الأمر المرغوب فيه، ومن حديث النفس بما يكون وبما لا يكون. وقيل: التمني تقدير الشيء في النفس وتصويره فيها وذلك قد يكون عن تخمين وظن، وقد يكون بلا روية وأكثر التمني ما لا حقيقة له. وقيل: التمني عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون. عن مجاهد عن أم سلمة قالت: يا رسول اللّه يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث فلو كنا رجالا غزونا وأخذنا من الميراث مثل لا ما أخذوا، فأنزل اللّه؛ وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ. قال مجاهد: وأنزل أن المسلمين والمسلمات. وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة أخرجه الترمذي، وقال هذا حديث مرسل. وقيل: لما جعل اللّه للذكر مثل حظ الأنثيين من الميراث، قالت النساء: نحن أحق وأحوج إلى الزيادة من الرجال لأنا ضعفاء وهم أقوياء وأقدر على طلب المعاش منا، فأنزل اللّه هذه الآية، وقيل: لما نزل قوله تعالى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: 11] قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الحسنات في الآخرة فيكون أجرنا على ضعف أجر النساء كما فضلنا عليهن الميراث، وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال، كما لنا في الميراث النصف من نصيبهم، فنزلت هذه الآية. والتمني على قسمين:
أحدهما: أن يتمنى الإنسان أن يحصل له مال غيره مع زوال ذلك المال عن ذلك الغير، فهذا القسم وهو الحسد وهو مذموم، لأن اللّه تعالى يفيض نعمه على من يشاء من عباده، وهذا الحاسد يعترض على اللّه تعالى فيما يفعل وربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعمة من ذلك الإنسان أيضا، فهذا اعتراض على اللّه أيضا وهو مذموم.
القسم الثاني: أن يتمنى مثل مال غيره، ولا يحب أن يزول ذلك المال عن ذلك الغير، وهذا هو