فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 60
الجن كان بين الملائكة أَبى امتنع من السجود وَاسْتَكْبَرَ تكبر وقال أنا خير منه وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) في علم اللّه
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ تأكيد للضمير المستتر ليعطف عليه قوله: (كان بين الملائكة) هكذا في خط الشيخ المصنف بين الملائكة، وهو تابع في ذلك للشيخ في سورة طه وغيرها وقضية كلامهما أنه ليس من الملائكة وصرّح بذلك في الكشاف، فقال: كان جنيا واحدا بين أظهر ألوف من الملائكة مغمورا بينهم فغلبوا عليه في قوله فسجدوا، لكن أكثر المفسرين كالبغوي والواحدي والقاضي على أنه كان من الملائكة، وإلّا لم يتناوله أمرهم ولم يصح استثناؤه منهم. قالوا: ولا يرد على ذلك قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ [الكهف: 50] لجواز أن يقال كان من الجن فعلا ومن الملائكة نوعا أو لأن الملائكة قد يسمون جنا لاختفائهم.
والحاصل: إن ما ذكروه محاولة على جعل الاستثناء متصلا وهو الأصل، وما ذكره الشيخان محاولة على أنه منقطع فلا حاجة إلى التأويل لكنه خلاف الأصل اهـ كرخي.
قوله: (تكبر) أفاد به أن السين للمبالغة لا للطلب، وإنما قدم الإباء عليه وإن كان متأخرا عنه في الترتيب لأنه من الأفعال الظاهرة بخلاف الاستكبار فإنه من أفعال القلوب واقتصر في سورة ص على ذكر الاستكبار اكتفاء به وفي سورة الحجر على ذكر الإباء حيث قال: أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [الحجر: 31] اهـ كرخي.
قوله: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي قبل هذا التكبر، وأورد عليه أنه كان قبله عابدا طائعا، وأجاب عنه الشارح بقوله: (في علم اللّه) يعني أن علم اللّه الأزلي تعلق بأنه يكفر فيما لا يزال بسبب هذا التكبر اهـ شيخنا.
وفي الشهاب ما نصه: وإنما أولت الآية بما ذكر لأنه لم يحكم بكفره قبل ذلك ولم يصدر منه ما يقتضيه، فأما أن يكون التعبير بكان باعتبار ما سبق في علم اللّه من كفره وتقديره ذلك وقيل إن كان بمعنى صار اهـ.
وعبارة الكرخي: قوله (في علم اللّه) إشارة إلى أن الأظهر كان على بابها قال البيضاوي أو صار منهم باستقباحه أمر اللّه بالسجود لآدم لاعتقاده أنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسل به، كما أشعر به قوله: (أنا خير منه) والجملة على الأول اعتراضية مقررة لما سبق من الإباء والاستكبار، وإيثار الواو على الفاء للدلالة على أن محض الإباء والاستكبار كفر لا أنهما سببان له كما تفيده الفاء. وأفادت الآية استقباح التكبر والخوض في سر اللّه تعالى وأن الأمر للوجوب انتهت.
فائدة: قال كعب الأحبار رضي اللّه تعالى عنه: إن إبليس اللعين كان خازن الجنة أربعين ألف سنة، ومع الملائكة ثمانين ألف سنة، ووعظ الملائكة عشرين ألف سنة، وسيد الكروبيين ثلاثين ألف سنة، وسيد الروحانيين ألف سنة، وطاف حول العرش أربعة عشر ألف سنة، وكان اسمه في سماه الدنيا العابد، وفي السماء الثانية الزاهد، وفي السماء الثالث العارف، وفي الرابعة الولي، وفي الخامسة التقي، وفي السادسة الخازن، وفي السابعة عزازيل، وفي اللوح المحفوظ إبليس وهو غافل عن عاقبة