فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 70
محترقة لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ليقاسوا شدّته إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا لا يعجزه شيء حَكِيمًا (56) في خلقه
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض وكل قذر وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) دائما لا تنسخه شمس هو ظل الجنة
* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ أي ما اؤتمن عليه من الحقوق إِلى أَهْلِها نزلت لما أخذ علي تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [إبراهيم: 48] فلا يرد أن يقال كيف تعذب جلود لم تعص، والحاصل أن غير هنا لنفي الصفة، فإنها تتبدل في ساعة مائة وعشرين مرة من غير مادتها نحو الماء الحار غيره إذا كان باردا، ولعل هذا هو الحكمة في تبديل الجلد مع قدرته تعالى على عذاب الكافر من غير تبديل ومع النضج اهـ كرخي.
قوله: (ليقاسوا شدته) أي ليدوم ذلك عليهم وإلّا فهم فيه، وعبارة أبي السعود: ليذوقوا العذاب أي ليدوم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز أعزك اللّه اهـ.
قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ذكر للضد وهو يرجع لقوله فمنهم من آمن به فهو لف ونشر مشوش على حد قوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: 106] على عادته تعالى من ذكر الوعيد مع الوعد وعكسه اهـ شيخنا.
قوله: خالِدِينَ فِيها حال من الهاء في ندخلهم وقوله أبدا أي، فليس المراد بالخلود طول المكث. قوله: (و كل قذر) أي ومن سوء الخلق وهذا عطف عام على خاص. قوله: (لا تنسخه شمس) أي لعدم وجودها. فالمعنى أنه دائم لا ينقطع، فإن قلت: إذا لم يكن في الجنة شمس يؤذي حرها، فما فائدة وصفها بالظل الظليل؟ قلت: إنما خاطبهم بما يعقلونه ويعرفونه، وذلك لأن بلاد العرب في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة واللذاذة فهو كقوله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: 62] اهـ خازن.
قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ خطاب للمكلفين قاطبة. قوله: أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ منصوب المحل إما على إسقاط حرف الجر لأن حذفه يطرد مع أن وأن إذا أمن اللبس لطولهما بالصلة، وإما لأن أمر يتعدى إلى الثاني بنفسه نحو: أمرتك الخير، وقرئ الأمانة، والظاهر أن قوله أن تحكموا معروف على أن تؤدوا أي يأمركم بتأدية الأمانات والحكم بالعدل، فيكون قد فصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وهي مسألة خلافية، ذهب الفارسي إلى منعها إلا في الشعر، وذهب غيره إلى جوازها مطلقا اهـ سمين.
وهذه الآية مناسبة ومرتبطة بقوله سابقا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ الخ، وذلك أن اليهود كانوا يعرفون الحق، وأوصاف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المذكورة في التوراة، وهي أمانة عندهم ومع ذلك كتموها وأنكروها، وقالوا لأهل مكة: أنتم أهدى سبيلا من محمد وأصحابه، فلما خانوا في هذه الأمانة الخاصة أمر اللّه تعالى عموم المكلفين بأداء جميع الأمانات بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ الخ تأمل. قوله:
(ما ائتمن عليه من الحقوق) أي حصل ووقع الائتمان عليه، فعليه نائب الفاعل، وقوله من الحقوق بيان لما أي سواء كانت الحقوق للّه أو لآدمي فعلية أو قولية أو اعتقادية، وسواء كانت حقوق اللّه واجبة أو