فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 111
يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا مهاجرا كَثِيرًا وَسَعَةً في الرزق وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ في الطريق كما وقع لجندع بن ضمرة الليثي فَقَدْ وَقَعَ ثبت أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ قوله: وَمَنْ يُهاجِرْ الخ هذا ترغيب في الهجرة وقوله: في سبيل اللّه أي لإعلاء دينه. قوله:
مُراغَمًا أي متحولا ينتقل إليه فهو اسم مكان فقول الشارح مهاجرا أي مكانا يهاجر إليه، ويعبر عنه المراغم للاشعار بأن المهاجر برغم أنف قومه أي يذلهم والرغم الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام بفتح الراء وهو التراب اهـ أبو السعود.
وفي المصباح: الرغام بالفتح التراب ورغم أنفه رغما من باب قتل كناية عن الذل كأنه لصق بالرغام هوانا ويتعدى بالألف، فيقال أرغم اللّه أنفه وفعلته على رغم أنفه بالفتح والضم، أي على كره منه وأرغمته غاصبته وهذا ترغيم له إذلال، وهذا من الأمثال التي جرت في كلامهم بأسماء الأعضاء، ولا يرد أعيانها بل وضعوها لمعان غير معاني الأسماء الظاهرة، ولاحظ لظاهر الأسماء من طريق الحقيقة، ومنه قولهم: كلامه تحت قدمي وحاجته خلف ظهري يريدون الاهمال وعدم الاحتفال اهـ.
قوله: وَسَعَةً (في الرزق) أي وإظهار الدين. قوله: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ الخ قالوا: كل هجرة في فرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد أو نحو ذلك فهي هجرة إلى اللّه ورسوله اهـ أبو السعود.
قوله: مُهاجِرًا حال من فاعل يخرج وقوله: إِلَى اللَّهِ أي إلى حيث أمره اللّه. قوله: يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ الجمهور على جزم يدركه عطفا على الشرط فيه، وجوابه فقد وقع، وقرأ الحسن البصري بالنصب، وقرأ النخعي وطلحة بن مصرف برفع الكاف، وخرجها ابن جني على اضمار مبتدأ أي ثم يدركه الموت فيعطف جملة فعلية وهي جملة فعلية، وهي جملة الشرط المجزوم وفاعله اهـ سمين.
قوله: (في الطريق) أي قبل أن يصل إلى المقصد، وإن كان ذلك خارج بابه كما ينبىء عنه ايثار الخروج من بيته على المهاجرة، وقوله كما وقع لجندع، وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ إلى آخر الآيات بعث بها صلّى اللّه عليه وسلّم إلى مكة فتليت على المسلمين الذين كانوا عليها إذ ذاك فسمعها رجل من بني ليث شيخ مريض كبير يقال له جندع بن ضمرة، فقال: واللّه ما أنا واللّه ممن استثنى اللّه عز وجل، فإني لا أجد حيلة ولي من المال ما يبلغني إلى المدينة وأبعد منها، واللّه لا أبيت الليلة بمكة أخرجوني فخرجوا به على سرير حتى أتوا به التنعيم، فأدركه الموت فصفق بيمينه على شماله، ثم قال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك رسولك ثم مات، فبلغ خبره أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: لو وافى المدنية لكان أتم وأوفى أجرا، وضحك المشركون وقالوا: ما أدرك ما طلب، فأنزل اللّه عز وجل قوله: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ الآية اهـ خازن.
وقوله: هذه لك الخ، قال التفتازاني: الظاهر أن هذه اشارة لليمين، وهذه الثانية اشارة للشمال، لا على قصد إسناد الجارحة إلى بل على سبيل التصوير وتمثيل مبايعة اللّه على الإيمان والطاعة بمبايعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شهاب.
قوله: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ يعني فقد وجب أجر هجرته للّه بإيجابه على نفسه بحكم الوعد