فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 126
الْكِتابِ بل بالعمل الصالح مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ إما في الآخرة أو في الدنيا بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيًّا يحفظه وَلا نَصِيرًا (123) يمنعه منه
وَمَنْ يَعْمَلْ شيئا مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يعود على ملفوظ به، وقيل: يعود على ما دل عليه اللفظ من الفعل، وقيل: يدل عليه سبب الآية، فأما عوده على ملفوظ به، فقيل هو الوعد المتقدم في قوله: وَعْدَ اللَّهِ وهذا ما اختاره الزمخشري أي ليس نيل ما وعد اللّه من الثواب بأمانيكم، ولا أماني أهل الكتاب، والخطاب للمسلمين لأنه لا يؤمن بوعد اللّه إلا من آمن به، وهذا وجه حسن، وأما عوده على ما يدل عليه اللفظ، فقيل: هو الإيمان المفهوم من قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وهو قول الحسن، وعنه ليس الإيمان بالتمني، وأما عوده على ما يدل عليه السبب فقيل يعود على محاورة المسلمين مع أهل الكتاب، وذلك أن بعضهم قال: ديننا قبل دينكم ونبينا قبل نبيكم فنحن أفضل منكم، قال المسلمون: كتابنا يقضي على كتابكم، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أفضل فنزلت. وقال: يعود على الثواب والعقاب أي ليس الثواب على الحسنات، ولا العقاب على السيئات بأمانيكم، وقيل: قالت اليهود: نحن أبناء اللّه وأحباؤه ونحن أصحاب الجنة وكذلك النصارى، وقالت كفار قريش: لا نبعث، فنزلت أي ليس ما ادعيتموه يا كفار قريش بأمانيكم اهـ.
والأماني جمع أمنية مأخوذة من التمني، وهو تقدير الشيء في النفس وإرادته، فالأمنية ما يقدره الإنسان في نفسه ويصوره فيها كأن يتصور أنه يثاب أو يعاقب أنه يفعل كذا وكذا، فيؤول المعنى إلى أنها نوع من الشهوة والمحبة والإرادة اهـ من الخازن.
قوله: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أي من مؤمن وكافر ولذا لم يقيد هنا بخلافه فيما بعد والسوء شامل للكفر اهـ شيخنا.
قوله: (إما في الآخرة) أي حتما في حق الكافر وعند عدم التوبة في حق المؤمن اهـ شيخنا.
قوله: (كما ورد في الحديث) أي المخرج في الترمذي، وغيره أن أبا بكر لما نزلت قال: يا رسول اللّه وأينا لم يعمل وأنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «أما أنت وأصحابك والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا اللّه وليس عليكم ذنوب، وأما الآخرون فيجتمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة» اهـ كرخي.
وفي أبي السعود: لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر رضي اللّه عنه: فمن ينجو مع هذا يا رسول اللّه؟
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أما تمرض أو يصيبك البلاء؟» قال: بلى يا رسول اللّه. قال: «هو ذلك» اهـ.
قوله: وَلا يَجِدْ بالجزم عطفا على يجز.
قوله: (شيئا) أشار به إلى أن من تبعيضية، وذلك لأنه لا يمكن أحدا أن يعمل جميع الطاعات اهـ شيخنا.
قوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى من للبيان في موضع الحال من الضمير المستكن في يعمل اهـ أبو السعود.
وفي السمين قوله: مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ من الأولى للتبعيض لأن المكلف لا يطيق عمل