فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 236
الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ بالياء والتاء يطلبون من المداهنة والميل إذا تولوا استفهام إنكاري وَمَنْ أي لا أحد أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ عند قوم يُوقِنُونَ (50) به خصوا بالذكر لأنهم الذين يتدبرونه وفي الخازن: قال مقاتل: كانت بين بني النضير وقريظة دماء، وهما حيّان من اليهود، وذلك قبل أن يبعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فلما بعث وهاجر إلى المدينة تحاكموا إليه، فقال بنو قريظة: بنو النضير إخواننا أبونا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد، فإن قتل بنو النضير منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإن قتلنا منهم قتيلا أخذوا منا مائة وأربعين وسقا، وأرش جراحتنا على النصف من جراحتهم، فاقض بيننا وبينهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أنا أحكم أن دم القرظي كدم النضيري ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ولا جراحة» . فغضب بنو النضير وقالوا: لا نرضى بحكمك، فإنك لنا عدو إنك لتجتهد في وضعنا وتصغيرنا، فأنزل اللّه: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ اهـ.
قوله: (من المداهنة) في المختار: المداهنة المصانعة اهـ.
وفي القاموس؛ والمداهنة إظهار خلاف ما في الضمير كالإدهان اهـ.
وقيل: في معناها انها بذل الدين لأجل الدنيا عكس المداراة، فإنها بذل الدنيا لإصلاح الدين.
قوله: (إذا تولوا) ظرف ليبغون أي يبغون ويطلبون وقت توليتهم عنك اهـ.
قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكم اللّه تعالى، أو مساو له، وإن كان ظاهر السبك غير متعرض لنفي المساواة وإنكارهاه اهـ أبو السعود، وحكما منصوب على التمييز اهـ سمين.
قوله: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ اللام بمعنى عند كما قال الشارح متعلقة بأحسن، ومفعول يوقنون محذوف كما قدره الشارح بقوله: به أي باللّه أو بحكمه، وأنه أعدل الأحكام، أو بالقرآن احتمالات ثلاثة أبداها السمين. قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب يعم حكمه كافة المؤمنين من المخلصين وغيرهم، وقوله: آمنوا أي ولو ظاهرا، وإن كان سبب نزولها في غير المخلصين فقط وهم المنافقون، كعبد اللّه بن أبي واضرابه الذين كانوا يسارعون في موالاة اليهود ونصارى نجران، وكانوا يعتذرون إلى المؤمنين بأنهم لا يؤمنون أن تصيبهم صروف الزمان، كما قال تعالى: يَقُولُونَ نَخْشى الخ اهـ أبو السعود.
وفي الخازن: اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية وإن كان حكمها عاما لجميع المؤمنين، لأن خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم، فقال قوم: نزلت هذه الآية في عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه، وعبد اللّه بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، وذلك أنما اختصما، فقال عبادة: إن لي أولياء من اليهود كثيرا عددهم شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى اللّه وإلى رسوله من ولاية اليهود ولا مولي لي إلا اللّه ورسوله، فقال عبد اللّه بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود فأني أخاف الدوائر ولا بدّ لي منهم، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه» ، فقال: إذن أقبل، فأنزل اللّه هذه الآية. وقال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتد الأمر على طائفة من الناس، وتخوفوا أن يدال عليهم الكفار، فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ