فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 263
للمؤمنين بِأَنَ بسبب أن مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ علماء وَرُهْبانًا عبادا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) عن اتباع الحق كما يستكبر اليهود وأهل مكة نزلت في وفد النجاشي العداوة لغيره، وأما النصارى فإن فيهم من هو معرض عن الدنيا ولذاتها وترك طلب الرئاسة، ومن كان كذلك فإنه لا يحسد أحدا ولا يعاديه، بل يكون ألين عريكة في طلب الحق، فلهذا قال ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ الخ اهـ خازن.
قوله: الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أي أنصار دين اللّه وموادون لأهل الحق اهـ أبو السعود.
قوله: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ مبتدأ وخبر، ومنهم خبر أن، وقسيسين اسمها، وأن اسمها وخبرها في محل جر بالباء، والباء ومجرورها خبر ذلك. وقسيسين جمع قسيس على فعيل، ومثال مبالغة كصديق وهو هنا رئيس النصارى وعالمهم، وأصله من تقسس الشيء إذا اتبعه وتطلبه بالليل، يقال: تقسست أصواتهم أي تتبعتها بالليل، ويقال لرئيس النصارى قس وقسيس، وللدليل بالليل قسقاس وقسقس قاله الراغب. وقال غيره: القس بفتح القاف تتبع الشيء، ومنه سمي عالم النصارى قسيسا لتتبعه العلم، ويقال قس الأثر، وقصه بالصاد أيضا، ويقال: قس وقس بفتح القاف وكسرها، وقسيس. وزعم ابن عطية أنه أعجمي معرب، وقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل وما فيه، وبقي منهم رجل يقال له قسيس، يعني بقي على دينه لم يبدله، فمن بقي على هديه ودينه قيل له قسيس، فعلى هذا القس والقسيس مما اتفق فيه اللغتان. قلت: وهذا يقوي قول ابن عطية، ولم ينقل أهل اللغة في هذا اللفظ القس بضم القاف لا مصدرا ولا وصفا، فأما قس بن ساعدة الأيادي فهو علم، فيجوز أن يكون مما غير عن طريق العلمية، ويكون أصله قس أو قس بالفتح أو الكسر، كما نقله ابن عطية، وقس بن ساعدة كان أعلم أهل زمانه، وهو الذي قال فيه عليه السّلام: «يبعث أمة وحده» ، وقسيسون جمع قسيس تصحيحا كما في الآية الكريمة اهـ سمين.
قوله: (نزلت) أي قوله لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً الخ، كما قاله أبو عباس في وفد النجاشي الخ.
وعبارة الخازن: قال ابن عباس وغيره من المفسرين في قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى قالوا: إن قريشا ائتمرت أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من آمن منهم فآذوهم وعذبوهم فافتتن من افتتن منهم، وعصم اللّه من شاء منهم، ومنع اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما نزل بأصحابه، ولم يقدر أن يمنعهم من المشركين ولم يكن قد أمر بالجهاد، أمر أصحابه بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: «إن بها ملكا صالحا لا يظلم، ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل اللّه للمسلمين فرجا» ، فخرج إليه أحد عشر رجلا وأربع نسوة سرا منهم: عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والزبير بن العوام، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة بنت أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وحاطب بن عمرو، وسهيل ابن بيضاء. فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة بنصف دينار إلى أرض الحبشة، وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذه هي الهجرة الأولى، ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون، فكان جميع من هاجر إلى أرض الحبشة من