فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 264
القادمين عليهم من الحبشة قرأ صلّى اللّه عليه وسلّم سورة يس فبكوا وأسلموا وقالوا ما أشبه هذا بما كان المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان. فلما كانت وقعة بدر وقتل اللّه فيها صناديد الكفار. قال كفار قريش: إن ثأركم بأرض الحبشة فأهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر، فبعث كفار قريش عمرو بن العاص، وعبد اللّه بن ربيعة بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردهم إليهم، فدخل عمرو بن العاص، وعبد اللّه بن ربيعة فقالا له: أيها الملك إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، وزعم أنه نبي وأنه قد بعث إليك برهط من أصحابه ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم، وإن قومنا يسألونك أن تردهم إلينا، فقال: حتى نسألهم، فأمر بهم فأحضروا، فلما أتوا باب النجاشي قالوا: يستأذن أولياء اللّه، فقال: ائذنوا لهم فمرحبا بأولياء اللّه، فلما دخلوا عليهم سلموا فقال الرهط من المشركين: أيها الملك ألا ترى أنا صدقناك إنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيي بها؟ فقال لهم الملك: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب: يقول هو عبد اللّه ورسوله وكلمة اللّه وروح منه ألقاها إلى مريم العذراء، ويقول في مريم أنها العذراء البتول. قال: فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال: ما زاد صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذا العود، فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم، فقال: هل تعرفون شيئا مما أنزل على صاحبكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرؤوا، فقرأ جعفر سورة مريم، وهناك قسيسون ورهابين وسائر النصارى، فعرفوا ما قرأ فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فأنزل اللّه فيهم ذلك منهم قسيسين ورهبانا، وأنهم لا يستكبرون إلى آخر الآيتين، فقال النجاشي لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم بأرضي آمنون، فرجع عمرو وصاحبه خائبين، وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وبخير جوار إلى أن هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة وعلا أمره وقهر أعداءه وذلك في سنة ست من الهجرة. وكتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد هاجرت مع زوجها، ومات عنها، فأرسل النجاشي جارية يقال لها أبرهة إلى أم حبيبة يخبرها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد خطبها، فسرت بذلك وأعطت الجارية أوضاحا كانت لها وأذنت لخالد بن سعيد في نكاحها، فأنكحها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على صداق مبلغه أربعمائة دينار، وكان الخاطب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النجاشي، فأرسل إليها بجميع الصداق على يد جاريته أبرهة، فلما جاءتها بالدنانير وهبتها منها خمسين دينارا فلم تأخذها، قالت: إن الملك أمرني ألّا آخذ منك شيئا وقالت: أنا صاحبة ذهب الملك وثيابه، وقد صدقت بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وآمنت به، وحاجتي إليك أن تقرئيه السّلام قالت: نعم وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من دهن وعود. وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحاصر خيبر، قالت أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخيبر، فخرج من قدم معي، وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فدخلت عليه فكان يسألني عن النجاشي، فقرأت عليه السّلام من أبرهة جارية الملك، فرد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم السّلام، وأنزل اللّه عز وجل عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ
عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [الممتحنة: 7] ، يعني أبا سفيان، وذلك بتزوج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أم حبيبة. ولما بلغ أبا سفيان أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تزوج أم حبيبة قال: ذلك الفحل لا يجدع أنفه. وبعث النجاشي بعد خروج جعفر وأصحابه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ابنه أزهى في ستين من أصحابه، وكتب إليه: يا رسول اللّه إني أشهد أنك رسول اللّه صادقا