الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 303
عِيدًا نعظمه ونشرفه لِأَوَّلِنا بدل من لنا بإعادة الجار وَآخِرِنا ممن يأتي بعدنا وَآيَةً مِنْكَ على قدرتك ونبوتي وَارْزُقْنا إياها وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)
قالَ اللَّهُ مستجيبا له إِنِّي مُنَزِّلُها بالتخفيف والتشديد عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ أي بعد نزولها مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (115) فنزلت الملائكة بها من السماء عليها سبعة أرغفة وسبعة وصلى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره، وقال: اللهم ربنا الخ اهـ أبو السعود.
قوله: تَكُونُ لَنا عِيدًا المعنى نتخذ يوم نزولها عيدا نعظمه ونصلي فيه نحن ومن يجيء بعدنا، فنزلت في يوم الأحد فاتخذه النصارى عيدا اهـ خازن.
والعيد مشتق من العود، لأنه يعود كل سنة، قاله ثعلب عن ابن الأعرابي، وقال ابن الأنباري:
النحويون يقولون يوم العيد بالفرح والسرور، وعيد الفرح لا يعود بالفرح والحزن، وكل ما عاد إليك في وقت فهو عيد. وقال الراغب. العيد حالة تعاود الإنسان، والعائدة كل نفع يرجع إلى الإنسان بشيء، ومنه العود للبعير المسن إما لمعاودة السير والعمل فهو بمعنى فاعل، وإما لمعاودة السنين إياه ومرورها عليه، فهو بمعنى مفعول وصغروه على عبيد وكسروه على أعياد، وكان القياس عويد لزوال موجب قلب الواو ياء، لأنها إنما قلبت لسكونها بعد كسرة كميزان، وإنما فعلوا ذلك فرقا بينه وبين عود الخشب اهـ سمين.
قوله: لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا في السمين: عذابا اسم مصدر بمعنى التعذيب، أو مصدر على حذف الزوائد نحو عطاء ونبات لأعطى وأنبت، وانتصابه على المصدرية بالتقديرين المذكورين، والهاء في لا أعذبه عائدة على عذاب الذي تقدم أنه بمعنى التعذيب، والتقدير فإني أعذبه تعذيبا لا أعذب مثل ذلك التعذيب أحدا، والجملة في محل نصب صفة لعذابا اهـ.
قوله: مِنَ الْعالَمِينَ أي عالمي زمانهم أو العالمين مطلقا، فإنهم مسخوا قردة وخنازير، ولم يعذب بمثل ذلك غيرهم، وقال عبد اللّه بن عمر: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون اهـ خازن.
قوله: (فنزلت الملائكة) الخ. روي أنه لما دعا اللّه وأجيب نزلت سفرة حمراء مدورة، وعليها منديل بين غمامتين من فوقها وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكي عيسى وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، ثم قام وتوضأ وصلى وبكى، ثم كشف المنديل وقال: باسم اللّه خير الرازقين: وقيل: لم يكشفها هو بل قال: ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها، ويسمي اللّه، فقام شمعون رئيس الحواريين، فقال: يا روح اللّه أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: ليس من هذا ولا من هذا، ولكنه شيء اخترعه اللّه بقدرته فكلوا مما سألتم، فقالوا: يا روح اللّه: كن أنت أول من يأكل منها. فقال: معاذ اللّه أن آكل منها يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا أهل الفاقة والمرض والبرص والجذام والمقعدين، فقال: كلوا مما رزق اللّه لكم الهناء، ولغيركم البلاء، فأكلوا منها وهم ألف وثلاثمائة رجل وامرأة، وفي رواية وهم سبعة آلاف وثلاثمائة، فلما أتموا الأكل طارت المائدة، وهم ينظرون، حتى توارت عنهم، ولم يأكل منها مريض أو زمن أو مبتلى إلا عوفي،