فهرس الكتاب

الصفحة 851 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 312

هذا الدليل بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) يسوون غيره في العبادة

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ بخلق أبيكم آدم منه ثُمَّ قَضى أَجَلًا لكم تموتون عند انتهائه وَأَجَلٌ مُسَمًّى مضروب عِنْدَهُ لبعثكم ثُمَ وهو النار، ولا ترد الأجرام النيرة كالكواكب لأن مرجع كل نير إلى النار، على ما قيل: إن الكواكب أجرام نورية نارية، وأن الشهب تنفصل من نار الكواكب فصح أن النور من جنس النار اهـ.

قوله: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ثم هذه ليست للترتيب الزماني، وإنما هي للتراخي بين الرتبتين، والمراد استبعاد أن يعدلوا به غيره مع ما أوضح من الدلالات، وهذه عطف إما على قوله الحمد للّه، وإما على قوله خلق السموات. قال الزمخشري: فإن قلت: فما معنى ثم قلت استبعاد أن يعدلوا به مع وضوح آيات قدرته وكذلك ثم أنتم تمترون استبعاد أن يمتروا بعد ما ثبت أنه يحييهم ويميتهم ويبعثهم اهـ سمين.

قوله: بِرَبِّهِمْ يجوز أن يتعلق بكفروا، فيكون يعدلون بمعنى يميلون عنه من العدول ولا مفعول له حينئذ، ويجوز أن يتعلق بيعدلون وقدم للفاصلة، وفي الباء حينئذ احتمالان، أحدهما: أن تكون بمعنى عن ويعدلون من العدول أيضا، أي يعدلون عن ربهم إلى غيره. والثاني: أنها للتعدية، ويعدلون من العدل وهو التسوية بين الشيئين، أي ثم الذين كفروا يسوون بربهم غيره من المخلوقين فيكون المفعول محذوفا اهـ سمين.

قوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ أي من جميع أنواعه. فلذلك اختلفت ألوان بني آدم وعجنت طينتهم بالماء العذب والملح والمر، فلذلك اختلفت أخلاقهم اهـ خازن.

قوله: (بخلق أبيكم آدم منه) أشار إلى قول الأكثر أن في الكلام حذف مضاف وهو ما قدره، ومن لابتداء الغاية لأنه أخذ ترابه من وجه الأرض أحمرها وأبيضها وغيرهما، فاختلفت أخلاقهم، ثم صور منه آدم ثم نفخ فيه الروح، وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين لا إلى آدم عليه السّلام وهو المخلوق منه حقيقة لتوضيح منهاج القياس والمبالغة في إزاحة الاشتباه والالتباس، مع ما فيه من تحقيق الحق والتنبيه على حكمة خفية هي أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه عليه السّلام منه، حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد بشر الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السّلام من الطين خلقا لكل أحد من فروعه منه. وذهب المهدوي وغيره إلى أنه لا حذف، وأن الإنسان مخلوق ابتداء من طين لخبر: «ما من مولود يولد إلا ويذر على النطفة من تراب حفرته» ، أو لأن النطفة من الغذاء وهو من الطين، وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر ودلائل صحة البعث، مع أن ما ذكر من خلق السموات والأرض من أوضحها وأظهرها كما ورد في قوله تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [يس: 81] الآية. لما أن محل النزاع بعثهم، فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر وهم بشؤون أنفسهم أعرف وبالتعامي عن الحجة النيرة أقبح اهـ كرخي.

قوله: ثُمَّ قَضى أَجَلًا أي كتبه وقدره. والأجل الأول من وقت الولادة إلى وقت الموت.

والأجل الثاني من وقت الموت إلى وقت البعث وهو مدة البرزخ، فلكل أحد أجلان أجل إلى الموت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت