فهرس الكتاب

الصفحة 854 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 315

أهل مكة مِنْ زائدة آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ من القرآن إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4)

فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِ بالقرآن لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ عواقب ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5)

أَلَمْ يَرَوْا في وإعراضهم عنها بالكلية بعد ما بين في الآية الأولى إشراكهم باللّه تعالى وإعراضهم عن بعض آيات التوحيد، وفي الآية الثانية امتراءهم في البعث وإعراضهم عن بعض آياته وما نافية، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو للدلالة على الاستمرار التجددي، ومن الأولى مزيدة للاستغراق والثانية تبعيضية واقعة مع مجرورها صفة لآية وإضافة الآيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميرهم لتقحيم شأنها المستتبع لتهويل ما اجترؤوا عليه في حقها، والمراد بها. إما الآيات التنزيلية فإتيانها نزولها، والمعنى ما ينزل إليهم آية من الآيات القرآنية التي من جملتها هاتيك الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع اللّه تعالى المنبئة عن جريان أحكام ألوهيته تعالى على كافة الكائنات وإحاطة علمه بجميع أحوال الخلق وأعمالهم الموجبة للإقبال عليها والإيمان بها قوله: إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ أي على وجه التكذيب والاستهزاء كما ستقف عليه. وأما الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من أعاجيب المصنوعات فإتيانها ظهورها لهم، والمعنى ما يظهر لهم آية من الآيات التكوينية التي من جملتها ما ذكر من جلائل شؤونه تعالى الشاهدة بوحدانيته تعالى إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدي إلى الإيمان بمكونها اهـ أبو السعود.

قوله: إِلَّا كانُوا عَنْها هذه الجملة الكونية في محل نصب على الحال وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه الضمير في تأتيهم. والثاني: أنه من آية، وذلك لتخصصها بالوصف. وتأتيهم يحتمل أن يكون ماضي المعنى لقوله: كانوا، ويحتمل أن يكون مستقبل المعنى لقوله: فسوف يأتيهم، واعلم أن الفعل الماضي لا يقع بعد إلا بأحد شرطين، إما وقوعه بعد فعل كهذه الآية الكريمة، أو اقترانه بقد نحو ما زيد إلا قد قام، وهنا التفات من خطابهم بقوله: خَلَقَكُمْ إلى غيبة في قوله: وَما تَأْتِيهِمْ اهـ سمين.

قوله: فَقَدْ كَذَّبُوا ضمنه معنى استهزؤوا فعداه بالباء، والظاهر كما قال السفاقسي: إن الفاء لتعقيب الإعراض بالتكذيب فهي عاطفة على الجملة قبلها، وجعلها الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن كانوا معرضين عن الآيات فلا تعجب فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها، وهو الحق لما جاءهم وفيه تكلف. وهذه المرتبة أزيد من الأولى لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذبا به، بل قد يكون غافلا عنه غير متعرض له، فإذا صار مكذبا فقد زاد على الإعراض اهـ كرخي.

قوله: بِالْحَقِ من إقامة الظاهر مقام المضمر إذا الأصل فقد كذبوا بها أي بالآية ولما ظرف زمان والعامل فيه كذبوا، والأنباء: جمع نبأ، وهو ما يعظم وقعه من الأخبار، وفي الكلام حذف أي يأتيهم مضمون الأنباء وبه متعلق بخبر كانوا وما يجوز أن تكون موصولة اسمية والضمير في به عائد عليها، ويجوز أن تكون مصدرية. قال ابن عطية: أي أنباء كونه مستهزئين، وعلى هذا فالضمير لا يعود إليها لأنها حرفية بل يعود على الحق. وعند الأخفش يعود إليها لأنه اسم عند اهـ سمين.

قوله: (عواقب) بالرفع تفسير للأنباء، أي المراد بالأنباء هنا عواقب استهزائهم. وعبارة أبي السعود: وأنباؤه عبارة عما سيحيق بهم من العقوبات العاجلة التي نطقت بها آيات الوعيد، وفي لفظة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت