ولهذا فُضِّلَتْ شجرة الإيمان على غيرها، لأنَّ الشجرة عدا شجرة الإيمان يأتي فيها كلُّ شيء فريد ثمَّ يذهب عنها كلُّ ذلك في بعض السنَّة، فالزهر فريد والإبَارُ فريد وبُدُوُّ الصَّلاح فريد وتناهي الطيب فريد.
والمؤمن لا تزال ثمرة إيمانِه بمجموع ذلك كلِّه رائقةً عطرةً، ولهذا المعنى قالَ صلَّى الله عليه وسلَّم: (( نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ أَبْلَغُ مِنْ عَمَلِهِ ) )قال العلماء معناه: أنَّ المؤمن في عمل ونيَّته عند فراغِه لعمل ثانٍ، فالزهر هو النيَّة والثمر هو العمل الحالي، وبُدُوُّ الصَّلاح هو اتِّباع السُّنَّة في العمل لقوله عليه السَّلام: (( إنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ عَمَلَ امْرِئٍ حَتَّى يُتْقِنَهُ، قَالُوا: يا رسولَ اللهِ ومَا إِتْقَانُهُ؟ قالَ: يُخَلِّصُهُ منَ الرِّياءِ والبِدْعَةِ ) ).
فترك السنَّة في العمل عاهَةٌ فيه تمنع مِن بدوِّ صلاحه فإذا لم يَبْدُ صلاحه فمِن باب أَوْلَى أن لا يصل إلى تناهي الحلاوة.
ويَرِد على هذا المعنى بحث دقيق، لأنَّ الثمرة إذا لم يَبْدُ صلاحها لا يجوز بيعها بمقتضى منع الشَّارع صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك، والبيع في هذه الثمرة هو القبول لقوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} الآية [التوبة: 111] .
ولهذا المعنى أشار صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: (( إنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ عَمَلَ امْرِئٍ حَتَّى يُتْقِنَهُ ) )فإذا لحقته العاهة فلا إتقان فلا يكون قبولًا، وهذه هي دائرة بعض العوام لجهلهم بالسنَّة، وإن كان بعضهم يدَّعي علومًا فإنَّ كل علم يجهل صاحبه عِلْم السنَّة داخل تحت قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إنَّ مِنَ العِلْمِ لَجَهْلًا ) ).