وفيه دليلٌ على تَساوي الأحكام فيما بين النَّاس على حدٍّ وَاحد، القويِّ والضعيفِ، والرفيع والوضيع. يُؤخذ ذلك مِن قوله عليه السَّلام: (يُجَاءُ بِنُوحٍ عليه السَّلامُ) أي: إنَّه يُساق للحكم، وهو حيث هو مِن مكانة الرسالة، ثم إنَّه يُطلب منه الشهود، ولا يُخلَّى عنه إلَّا بعدَ قبولِ شهادتهم، وقد جاء: أوَّل مَن يُساق للحساب إسرافيلُ عليه السَّلام الذي العَرْشُ على كاهلِهِ، والعَرَق يتحدَّر على جبينه، فيقول الله جلَّ جلاله: (( ما صنعتَ في عَهْدي؟ فيقولُ: يا ربِّ بلَّغْتُهُ جبريلَ. فيُؤتى بجبريلَ فيقولَ له الحقُّ جلَّ جلاله: هل بلَّغَكَ إسرافيل عهدي؟ فيقول: نَعَم يا ربِّ. فيُخلَّى عن إسرافيل. ويُسألُ جبريلُ فيقولُ عزَّ وجلَّ له: ما صنعتَ في عَهْدي؟ فيقول: يا ربِّ بلَّغْتُهُ الرُّسل. فيُؤتى بالرُّسل فيُقالُ لهم صَلواتُ الله على جميعِهِم: هل بلَّغَكُم جِبريلُ عَهْدِي؟ فيقولون: نَعَم. فحينئذٍ يُخلَّى عن جبريلَ ) ).
فأوَّل من يُسأل مِن الرُّسل نوح عليه السَّلام، فيكون مِن قصَّتهِ ما هو نصُّ الحديث، فلا يخلَّى عنه إلَّا بعد قبول شهادة هذه الأمَّة، ثمَّ الذين بعدَه كذلك واحدًا بعد واحد.
ويعارضنا هنا قوله عليه السَّلام: (( أوَّلُ مَن يُحَاسبُ مِن الأمم أَنْتُم، وأوَّلُ مَن يجوزُ من الأممِ الصَّراطَ أمَّتي ) )أو كما قال عليه السَّلام.
فالجواب: أنَّه ليس تعارض، لأنَّ حسابَ الأمم عَلى نوعين، وبذلك يجتمع الحديثان، ولا يبقى بينهما تعارض. وهو أنَّ (النَّوع الأوَّل) أن تُسأَل الأمم هَل بلَّغهم الرُّسل عَن الله أم لا؟ فهذا الَّذي يتقدَّم جميع الأمم فيه على هذه الأمَّة، لأنَّهم هم الشهود عليهم، ولا بدَّ مِن حضورهم إلى آخر الأمم.
و (النَّوع الآخر) : هو سؤال الأمم كلَّ شخص منهم مفردًا