عن عمله، بمقتضى شريعته. فهذا الذي تكون هذه الأمَّة أوَّلَ مَن تُحاسب عليه، وسيِّدنا صلى الله عليه وسلم شاهد عليهم.
وأمَّا قولنا: ما الحكمة في أنْ ذَكَرَ نوحًا عليه السَّلام دون غيره مِن الرُّسل صلوات الله وسلامه عليهم؟ فيحتمل أن يكون إنَّما ذكر نوحًا عليه السَّلام لأنَّه أوَّل الرسل، فإذا كانت هذه الأمَّة تشهدُ على الأوَّل مِن الأنبياء فمِن باب أولى غيره، واستغنى عن ذكر الغير صلوات الله عليه وعليهم أجمعين بذكر آيةٍ أخرى، أو هي عامَّة. فهذا مِن الاختصار والبلاغة.
وأمَّا قولنا: هل الأمَّة تشهد كلُّها برُّها وفاجرُها، أم لا يشهد إلَّا مَن هو أهل لذلك؟ ولفظ الحديث محتمل، لأنَّ العرب قد تسمِّي البعضَ باسم الكلِّ، لكن التَّخصيص يظهر فيه مِن وجهين:
أحدهما: مِن الحديث الذي أوردناه، شاهدًا في قولهم (( وَجَدْنا في الكِتَابِ الذي أَنْزَلْتَ ) ). فهذا لا يكون جوابًا إلا ممَّن يكون له علم بالكتاب، وكثير مِن هذه الأمَّة لا يعلمون مِن الكتاب شيئًا، ومِن طريق النظر مَن يكون مِن هذه الأمَّة إذ ذاك في نوع مِن أنواع العذاب المتقدِّم ذكره في الأحاديث، كيف يستشهد بهم، وكيف تُقبل لهم شهادة؟.
وبمتضمن الآية أيضًا بقوله: {وَسَطًا} أي خيارًا، فلا يشهد منها إلَّا خيارها، وكما لا يُقْبَل هنا إلَّا العُدولُ الخيار كذلك هناك لقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] . فلما كان هنا لا يُؤخذ إلَّا المرضيُّ الحال فلا يُؤخذ هناك ضدُّه. هذا لا تقضيه الحكمة.
وفيه إشارة لطيفة وهي أنَّ إعلامَك بهذه المرتبة الرفيعة عنايةٌ بك لتحافظ عليها، لعلَّك تكونُ ممَّن يشهد إذ ذاك، لأنَّه يُرْجى مِن فضل الكريم أنَّ مَن قُبلت شهادته أنه يسامحه ويتفضَّل عليه بالخلاص مِن ذلك الهول العظيم.