وقولُه: (وَرُئِيَ منهُ كَرَاهِيَةٌ، أو رُئِيَ كَراهِيَتُهُ لِذلِكَ ) ) هذا شكٌّ مِنَ الراوي لِمَا رأَى مِن قرائنِ الأحوالِ التي تدلُّ
على أحدِ المُحتَملاتِ أو تنبيهٌ منهُ على مجموعِها؛ لأنَّهُ احتَمَلَ الأمرُ ثلاثةَ أوجهٍ.
ويترتبُّ على كلِّ وجهٍ منها وجهٌ مِن الفقهِ، والوجوهُ:
(أحدُها) : أن يكونَ وجدَ صلَّى الله عليه وسلَّم الكراهِيَةَ لذلكَ فرئيت في وجهِهِ، ويترتَّب على ذلك مِن الفقهِ أنَّ المُؤمِنَ إذا رأَى مكروهًا تغيَّرَ لذلكَ، ويكونُ تغيُّره بقدرِ إيمانِهِ، فلمَّا كانَ سيِّدُنا صلَّى الله عليه وسلَّم أكثرَ الناسِ إيمانًا تغيَّر مِن ذلكَ المَكروهِ حتى رُئِيَ في وجهِهِ.
وهنا بحثٌ: هل كانَ ذلكَ التغيُّرُ لِمَا انْتُهِكَ مِن حُرمَةِ القِبْلَةِ كما علَّلَهُ عليه السلام؟ أو لِمَا يترتَّبُ على فاعلِهِ مِنَ الإثمِ؟ وكانَ صلَّى الله عليهِ وسلَّم قدْ طُبِعَ على الرَّحمةِ للعالمِ كافَّةً لقول اللهِ عزَّ وجلَّ له عليه السلام: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر:8] ، فكيفَ على المؤمنينَ؟ أو على مجموعِهما، وهو الأظهرُ؟
ومثلُ ذلكَ ينبغِي للمؤمنينَ أنْ يتغيَّروا عندَ انتهاكِ حُرُمِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وعندَ النَّوائِبِ التي تطرأ على أحدٍ مِنَ المُؤمنينَ، وآكدُها ما يكونُ في الدِّينِ لأنَّها الخسارةُ العُظمَى، فكيفَ بمجموعِهما؟
في مثلِ هذهِ الصفاتِ المباركةِ فاق أهلُ الصوفَةِ غيرَهم، يُروَى مِن مثلِ هذا أنَّ بعضَهم كانَ لهُ شريكٌ في بعضِ الأشياءِ فطلبَهُ يومًا، فقيلَ لهُ: إنَّه على مُخالفَةٍ، فقالَ: وهكذا يكونُ وأنَّا حيٌّ، فتوضَّأَ ودخلَ الخَلْوَةَ، وعَهِدَ أنَّهُ لا يخرجُ حتى يُشفِّعَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ فيهِ، فلمَّا فرغَ ذلكَ مِن مخالفَتِهِ قِيلَ لهُ: إن شريكَكَ يطلبُكَ، فأتاهُ، فقِيلَ لهُ: إنهُ دخلَ الخَلوَةَ مِن أَجلِكَ وما كنتَ عليهِ، فقالَ لهم: قولُوا لهُ يَخرُجُ، فواللهِ ما أَعودُ لها، وتابَ وحَسُنَ حالُه.
واحتَمَلَ أنْ يكونَ أَظهرَ الكراهيةَ لذلِكَ مِن أجلِ قوَّةِ الزجرِ، وأنَّ ذلكَ مِن إعلامِ الدينِ، فيلزَمُ على ذلكَ إظهارُ الكراهيةِ عندَ رؤيةِ شيءٍ مِن المكروهاتِ، وهيَ السنَّةُ، واحتَمَلَ وجهًا ثالثًا؛ وهو أنَّه وجدَ الكراهِيةَ بوضعِ الطبعِ المُبارَكِ، وتعمَّدَ الزيادَةَ فيها ليَقتدِيَ بهِ مَن وَجَدَها ومَن لم يجد، وهو أَظهرُ الوجوهِ.