وقولُه: (إِذَا قَامَ يُصلِّي فَإِنَّمَا يُناجِي ربَّهُ، أو ربُّه بَينَهُ وبينَ القِبْلَةِ) الشكُّ هنا مِنَ الراوي، فعلى القولِ بالمُناجاةِ فمَا هِيَ هنا؟ لأنَّ المناجاةَ لغةً: كلامُ سرٍّ بينَ اثنينِ فصاعِدًا، وهنا المتكلِّمُ واحدٌ، فكيفَ تكونُ المناجاةُ؟! وقد بيَّنَ هذا المعنى بعضُ السادةِ المُتَّبعِين على لسانِ العلمِ والسنَّةِ، فقيلَ لهُ: كيفَ حالُكَ؟ فقالَ: بخيرٍ، أنا بينَ أمرينِ في العبادةِ، فتارَةً أُناجِي مَولايَ بدعائِي وتسبيحِي، وتارةً يُناجيني بتِلاوَةِ كتابِهِ، فأنا القارِئُ وهوَ المُخاطِبُ لي.
وفي هذا الوجهِ - أَعني قولَ سيدِنا صلَّى الله عليه وسلَّم: (فإنَّما يُنَاجِي ربَّهُ) - دليلٌ لأهلِ السنَّةِ الذينَ يقولونَ إنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، وإنَّ القراءةَ كلامُ القارئِ، والمتْلُوُّ كلامُ اللهِ عزَّ وجلَّ، والصِّفَةُ لا تُفارِقُ المَوصوفَ، فعلى هذا تكونُ الصلاةُ مُناجاةً
حقيقةً، فإنَّها مُشتمِلَةٌ على قِراءةٍ وتسبيحٍ ودعاءٍ، فالتسبيحُ والدعاءُ مِنَ العبدِ إلى الربِّ، والقِراءَةُ مِن الربِّ إلى العبد، ولهذا المَعنى يقولُ أهلُ الصفاءِ والأَحوالِ المباركةِ: إنهم إذا تلوا بالحضورِ خرجوا بقوةِ اليقينِ والتصديقِ عن حركاتِ الحروفِ وسمعوا بغيرِ واسطةٍ، وهذا لا يعرِفُهُ إلَّا أهلُ الذوقِ الذينَ سلكوا على حدودِ السُّنَّةِ، وقليلٌ ما هُمْ.
وأما الوجهُ الثاني وهو قولُه صلَّى الله عليهِ وسلَّم: (رَبُّهُ بَينَه وبينَ القِبْلَةِ) ، فهذا دليلٌ على أهلِ التجسيمِ والحُلولِ أنَّ دعواهُم باطلةٌ، وأنَّ الحُلولَ والتحيُّزَ في حقِّه تعالى مُستحيلٌ، فإنَّه لو كانَ جلَّ جلالُه كما زعموا - تعالى اللهُ عن ذلكَ عُلوًّا كبيرًا - بالحُلولِ على العرشِ، فكيفَ يكونُ هناكَ ويكونُ بينَ المُصلِّي وبينَ قِبلتِهِ؟ وكم مِنَ المُصلِّينَ في الزمنِ الفَرْدِ في أقطارِ الأرضِ مُختلفينَ مُتباينينَ مِن جِهتَينِ؛ مِن جهةِ التباعُدِ وتَضَادِّ الأقطارِ؟ فيلزَمُ على ذلكَ تَعدَادُهُ أو تَجزُّؤُهُ، وهذا مُحالٌ بالإجماعِ منَّا ومنهم، فلم يبقَ إلا التأويلُ، فكما نتأَوَّلُ هنا نتأَوَّلُ في غيرهِ من الآثارِ والآيِ.
فنَرجِعُ الآنَ لِمَا فيهِ مِنَ الفائدةِ - أعني في هذا اللفظ، وهو قولُه: (بَينَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ) : هذهِ الكِنايةُ تُنبِئُ عن قُرْبِ خيرِ المولى جلَّ جلالُه إلى المُصلِّي وعِظَمِ إحاطَتِه بهِ؛ لأنه إذا كانَ ما بينَه وبينَ القِبلَةِ لم يغبْ عنهُ مِن حركاتِهِ ولا سكنَاتِهِ شيءٌ، كما قالَ تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق:16] ، كنايةً أيضًا على أنَّ إحاطَتَهُ بالأشياءِ جلَّ جلالُه جُزئياتِها وكليَّاتِها على قربٍ أو بعدٍ أوسرٍّ أو علانِيةٍ على اختلافِ العوالِمِ على حدٍّ واحدٍ لا يغيبُ عنهُ سبحانه منها شيءٌ.