وفيهِ من الحكمةِ أنَّ العِبادةَ لمَّا كانتْ مِن مُحدَثٍ متحيِّزٍ والمَعبودُ غيرُ متحيِّزٍ ولا مُحدَثٍ، فلا يُمكِنُ للمُتحيِّزِ الفانِي التَّساوي ولا القُربُ مِنَ الجليلِ القديمِ غيرِ المُتحيِّزِ، وهو الغنيُّ عن عبادةِ العَابدينَ، وهمُ المُحتاجونَ إليهِ وإلى خدمتِه، أَقامَ لهم أَعلامًا للتعبُّد مُحدثةً مِن جِنسِهم ونسبَها إلى ذاتِه الجليلةِ تَشريفًا ورِفعةً لها ولعبادِهِ، وقَبِلَ ذلكَ مِنهم ورضي بهِ عنهم، ولذلكَ قال تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115] ، وذلكَ لمَّا حُوِّلتِ القِبلةُ مِن بيتِ المَقدِسِ إلى الكعبةِ، وقد كانَ ماتَ ناسٌ ممن صلَّى إلى بيتِ المَقدِسِ ولم يلحق الصلاةَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ، فشقَّ ذلكَ على أهليهم لِمَا غلبَ على ظُنونِهم مِن أنَّ الجدارَ هو المَقصودُ، فأَنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115] ، معناه: حيثُما قصدتموه بالتعبُّدِ والامتثالِ وجدتموهُ يتفضَّلُ عليكم ويَقبَلُ أعمالَكم ويُحسِنُ الجزاءَ عليها، فلما نُسِبَتْ تلكَ الجهةُ إليه عزَّ وجلَّ وجبَ بمُقتضَى الحِكمةِ أو نُدِبَ أن تُحْتَرمَ أشدَّ الحُرمَةِ مِن أجل ما أُضيفَ إليهِ، ولذلكَ قال بعضُ المحبِّينَ:
~وما حُبُّ الدِّيارِ شَغَفْنَ قَلبِي ولكنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا
فحبُّ مَخلوقٍ لمخلوقٍ مِن أجلِ حلولِ مَحبوبِه في تلكَ الديارِ عظَّمَ الديارَ، فأهلُ التحقيقِ مِن أجلِ الإضافةِ التشريفيَّةِ عظَّمُوا كلَّ عَلَمٍ مِن أعلامِ تلك الإضافة العَليَّة، ولذلكَ كانَ أهلُ المُعاملاتِ يتنعَّمونَ بأنواعِ العباداتِ كما يتنعَّمُ أهلُ الدنيا بالشهواتِ، ولمَّا كانَ المسجدُ مِن أجلِ الحُرمَةِ التشريفيَّة وقعت الكراهيةُ والمَنعُ، ولو كانَ غيرَ ذلكَ لكانَ الحدُّ الضربُ أو القتلُ، وهذا المعنى أيضًا تأكيدٌ للحُجَّةِ التي أوردنا قبلُ على أهلِ التحييزِ والحُلولِ، تعالى اللهُ عن ذلكَ عُلوًّا كبيرًا.