لئلا يقع عند أحدٍ أنَّ القرابة ليست في التَّكليف كالأجانب لحرمتهم، لأنَّه بعد نزول هذه الآية ووضوحها قد وقع ذلك في النُّفوس، فإنَّه قد رُوي أنَّ رجلًا سأل عليًّا رضي الله عنه: هل خصَّكم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أهل البيت بشيءٍ؟ فأجاب رضي الله عنه بأن قال: لَمْ يخصُّنا إلَّا بأن لا تأكلوا صدقة، وأن لا تنزُوا الحُمُر على الخيل، ومن فتح الله له فهمًا في كتاب الله تعالى، أو كلامًا هذا معناه.
وهذا يدلُّ على أنَّ تخصيصهم بالإنذار تكرمة في حقِّهم، لأنَّ التَّكليف على ما يقوله العلماء هو نفس الرَّحمة لمن سبقت له السَّعادة، ولذلك شدَّد عليهم في التَّكليف فحرَّم عليهم ما تقدَّم ذكره، وهو لم يحرِّم على غيرهم، لترتفع درجتهم ولتُعلم خصوصيتهم.
ووجه آخر أيضًا: أن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لَا أُغْنِي) معناه: الإجزاء، والإجزاء هو ما يتخلَّص به المرء ولا عتب عليه، ويعارضنا حديث الشَّفاعة، والشَّفاعة لا تكون إلَّا لمن عليه العتب واستوجب العذاب، ولذلك قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( اخْتَبَأْتُ شَفَاعَتِي لأهلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ) )فلا تعارض بينهما.
وفيه دليلٌ على أنَّ الكفَّار ليس هم مخاطبون بفروع الشَّريعة، لأنَّ الآية عامَّة احتملت الكافر مِن عشيرته وغير الكافر، وما أنذر هو صلَّى الله عليه وسلَّم مِن عشيرته إلَّا المؤمنين، لأنَّ عمومته كانوا فوق العشرة، وما أسلم منهم إلَّا حمزة والعبَّاس،
ولا شكَّ أنَّ جميع العمومة مِن أقرب العشيرة، ولم يُكلِّم منهم إلَّا المؤمنين.