وفيه دليلٌ على أنَّ رؤية أهل الفضل مِن العلماء والصالحين ومخاطبتهم لا تنفع إلَّا إذا وقع الاقتداء بهم، وكيف ما كان الاقتداء كانت النسبة للقرب أكثر، لأنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال لقرابته ما قال في الحديث، ثمَّ إنَّ فاطمة رضي الله عنها التي هي منه بتلك المزية الكبرى، وقال فيها عليه الصَّلاة والسَّلام: (( يَرِيبُنِي ما رَابَهَا، وَفَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي ) )قال لها: (لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا) . فإذا كان هذا النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم الذي هو أعظم البشر حرمة وتفضيلًا وله الشَّفاعتان العظيمتان عامَّة وخاصَّة، فكيف بغيره مِن الأولياء والصَّالحين؟
ولا يتوهَّم متوهِّم أنَّ ما ذكرناه هنا معارض لِمَا جاء: (( أنَّ الرَّجلَ يَشْفَعُ في أهلِ بَيْتِهِ، وأنَّ الرَّجُلَ يَشْفَعُ في عَشِيْرَتِهِ، وأنَّ الرَّجلَ يَشْفَعُ في مثلِ عَدَدِ ربيعةَ ومُضَر ) )لأنَّا نقول: إن هذه الشَّفاعة إنَّما هي لمن يشاء الله الشَّفاعة له، لقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه} [البقرة: 255] ، فلعلَّ هذا المتعلق بهذا السَّيد لعلَّه أن يشفع له يكون ممن أراد الله أن لا يشفِّعه فيه، وإن كان يشفع في مثل ما قد تقدَّم، وإنَّما المقطوع فيه بالنَّجاء أفعال الأوامر، لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( فَمَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجنَّةَ ) ).