والأولُ ممنوعٌ يدلُّ على ذلكَ الكتابُ والسنَّةُ؛ أمَّا الكِتابُ فقولُه تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل:65] ، وأما الحديثُ فقولُه عليهِ السلامُ: (( مَفاتِحُ الغيبِ خَمسٌ لا يَعلمُهُنَّ إلا الله: لا يَعلمُ مَا تَغِيضُ الأَرحامُ إلا اللهُ، ولا يعلمُ ما في غدٍ إلا اللهُ، ولا يعلمُ متى يأتي المَطر أحدٌ إلا الله، ولا تَدرِي نفسٌ بأيِّ أرضٍ تَموتُ إلا اللهُ، ولا يَعلمُ مَتى تَقومُ السَّاعةُ إلا اللهُ ) ). ولأنَّه لا يُمكنُ أن يُحملَ هذا على جميعِ الغُيوب؛ لأنَّ ذلكَ يؤدِّي إلى استواءِ الخالقِ والمَخلوقِ وهو مستحيلٌ عَقلًا، وقد قالَ عزَّ وجلَّ في كتابِه: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:29] ، والأشياءُ منها ما قد وقعَ قبلَ خلقِ بني آدمَ، ومنها ما يقعُ بعدَ موتِهم، فكانَ ذلك مستحيلًا مِن طريق العقلِ والنقلِ.
الوجهُ الرابعُ: فيه دليلٌ على أنَّ ما رُوِيَ لهُ عليه السلام مِن الغيوبِ فلهُ الإخبارُ بهِ، وله أن لا يُخبِرَ بهِ، ولهُ أنْ يُخبِرَ ببعضِه ولا يُخبِرَ بالبعضِ بخلاف الوحيِ فإنَّ عليهِ أنْ يُخبِرَ بهِ كلَّه، لأنه عليهِ السلامُ لمَّا أُرِيَ له هنا ما أُرِيَ أخبرَ ببعضِ ما رأى وهيَ الجنَّةُ والنارُ، وسكتَ عنِ الغيرِ، ولم يكنْ ليفعلَ ذلكَ في الوحيِ إلا ليُخبِرَ به كلِّه كما أُوحِيَ إليه.
والحكمةُ في ذلكَ - والله أعلم - أنَّهُ قد يكونُ فيما يُرى أشياءُ لا يُمكِنُ لأحدٍ الاطلاعُ عليها ولا يقدرُ على ذلكَ إلا هو عليه السلام لِمَا مدَّهُ الله بهِ مِن القوةِ والعونِ بخلافِ الوحيِ، فإنَّه لا يكونُ إلا بقدْرِ ما تَقدِرُ هذه الأُمَّةُ على نقلِهِ.