وفيه دليلٌ على جواز ذكر أفعال الدُّنيا بل إنَّها طاعة إذا أُرِيد بها الآخرة، أو تكون سببًا لأمرٍ أُخروِيٍّ، لأنَّ سليمان عليه السَّلام ذكر النِّكاح، وهو دنيويٌّ، لِمَا يترتَّب عليه كما ذكر.
وقوله: (عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ - أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ -) هذا شكٌّ من راوي الحديث في أيِّهما قال عليه السَّلام.
الثَّاني: فيه دليلٌ على عظيم قدرة الله عزَّ وجلَّ، ومعجزةٌ لسليمان عليه السَّلام، إذ البشر عاجز عن الطَّواف على مائة امرأة في ليلةٍ واحدةٍ، فأظهر الله عزَّ وجلَّ قدرته بأن أعطى لسليمان عليه السَّلام القوَّة على ذلك، فكان فيها معجزةٌ، وإظهار قدرة، وإبداءُ حكمة، ردًا على مَن ربط الأشياء بالعوائد، فيقول: لا يكون كذا إلَّا مِن كذا، ولا يتولَّد كذا إلَّا مِن كذا، فألقى الله عزَّ وجلَّ في صُلْبِ سليمان عليه السَّلام ماء مائة
رجل، وكان له ثلاثمائة زوجة وألف سُرِّيَّة، ليظهر خرق العادة، وأنَّها ليست من اللازم.
لكن هذا أمر قد يسبق إلى بعض الأذهان تفضيل سليمان عليه السَّلام على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، إذ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُعْطَ إلَّا ماءَ أربعين رجلًا، ولم يكن له غير عشر نسوة، فظاهر هذا التَّفضيل، وليس كذلك وإنَّما هو بالعكس، وإن كان الاثنان أنبياء عظماء، لكن للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرتبةٌ في الأفضليَّة لا يساويه فيها غيره.