بيان ما ذكرناه مِن الأفضليَّة هو أنَّ سليمان عليه السَّلام تمنَّى أن يكون مُلكًا، فقال: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35] . فأُعطي الْمُلْكَ على ما قد عُلِم، وأعطاه هذه القوَّة في الجِماع، لكي يتمَّ له الْمُلْك على خرق العادة مِن كلِّ الجهات، لأنَّ الملوك أبدًا يتخذون مِن النِّساء بقدر ما أُحلَّ لهم، ويتَّخذون مِن السُّريَّات بقدر ما يستطيعون عليه، وأعطى الله عز وجل لسليمان عليه السَّلام تلك الخصوصيَّة حتَّى يمتاز بها عنهم، فكان نساؤه مِن جنس مُلكِه الذي لا ينبغي لأحد مِن بعده كما طلب.
والنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا أن خُيِّر هل يكون نبيًّا ملكًا، أبى ذلك، واختار أن يكون نبيًّا عبدًا، فأُعطيه مِن الخصوصيَّة ذلك القدر، لكونه عليه السَّلام رضي بالفقر والعبوديَّة فأعطي الزَّائد بخرق العادة في النَّوع الذي اختار، وهو الفقر والعبوديَّة، فكان عليه السَّلام يربط على بطنه ثلاثة أحجار مِن شدَّة الجوع والمجاهدة، وهو على حاله في هذا الشَّأن - أعني في الجماع - لم ينقصه شيء، والنَّاس أبدًا إذا أخذهم الجوع والمجاهدة لا يستطيعون على ذلك، وقد قال عليه السَّلام (إنَّ الصَّوم له وِجاءٌ) وكان الصَّوم لغيره وِجاءً، وفي حقِّ نفسه المكرَّمة لا ينقصه شيءٌ فهو أبلغ في الكرامة وأظهر في المعجزة.