وفيه بحث آخر، إذا قلنا إنَّه للجنس المؤمن وغيره، هل هو على العموم أو ليس؟
الظاهر أنَّه ليس على العموم بدليل قوله تعالى في الشهداء: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] ويقول سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم فيهم: (( إنَّ أَرْواحَهُمْ في حواصلِ طيرٍ خُضُرٍ تأكلُ مِنْ شَجَرِ الجنَّةِ وتَشْرَبُ مِنْ أنْهَارِهَا ) )فمَن هو دائم في الجنَّة فكيف يعرض عليها غدوةً وعشية فيكون عامًّا فيما عدا الشهداء، لكن يرد على هذا قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( نَسَمَةُ المؤمنِ طائرٌ أبيضُ معلَّقٌ في شجرِ الجنَّةِ حتَّى يَردَّها اللهُ تعالى إلى أجْسَادِهَا يومَ القيامةِ ) )فمَن يكون في شجر الجنة فكيف يعرض على مقعده بالغداة والعشي؟
فالجواب أنَّه قد يكون الجمع بينهما مِن وجوه:
(منها) أنَّه قد أخبر صلَّى الله عليه وسلَّم عن الشهداء أنَّهم سبعة ما عدا القتل في سبيل الله، ووصف عليه الصَّلاة والسَّلام الذين قُتِلوا في سبيل الله بأن أرواحهم في أجواف طيرٍ خُضْرٍ،
فقد يكون باقي الشهداء السبعة أرواحُهم تُعلَّق في شجر الجنَّة، ويكون الفرق بينهم وبين الذين قُتِلوا في الجهاد الأكلَ والشربَ لا غير، والفرق بينهم وبين غيرهم مِن المؤمنين دوامُ المقام في الجنَّة وغيرهم مِن المؤمنين يعرَضون عليها غدوة وعشية، لأنَّ هذه الأخبار كلها صحاح والأخبار لا يدخلها نسخ.
واحتمل وجه آخر وهو: أنَّ الأرواح هي التي تعلَّقُ في شجر الجنة، وأنَّ النفوس هي التي يُعرَض عليها مقعدها غدوة وعشية، واحتُمل أن تعلَّق الأرواح بشجر الجنَّة وليس يكون لها تصرُّف في الجنَّة إلا غدوة وعشية تنظر لمنازلها وتراها فيزداد بذلك سرورها والقدرة صالحة.
ويبقى البحث في المخلِّط المسكين كيف حاله؟ فالله أعلم أنَّه قد يكون له نصيب مِن هذا، أو نصيب مِن هذا، وقد تقدَّم الكلام عليه في حديث عذاب القبر بما فيه كفاية فأغنى عن إعادته.