ظاهر الحديث يدلُّ على أنَّ مَنْ وقع في شيء ممَّا نُهي عنه فاقتُصَّ منه أنَّ القصاص يُسقِط عنه في الآخرة وِزْرَه ويُكفِّر ذنبَه، وقد اختلف العلماء في ذلك هل يسقط أم لا؟ على قولين، والحديث دليل لمن قال منهم بالإسقاط؛ لأنَّه نصٌّ في موضع الخلاف والكلام عليه مِن وجوه:
الوجه الأوَّل: قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (بَايِعُونِي) هذه البيعة يُحتاج فيها إلى بيان: ما هي في الاصطلاح العُرْفي؟ وكم أنواعها؟ وما حقيقة معناها؟ وما المقصود بها في هذا الموضع؟ وما الفائدة فيها؟ وما الحكمة في وضعها على هذا الأسلوب؟ ولمن تجب؟ وبماذا تجب؟ وعلى مَن تجب؟ وشروط الإجزاء فيها، وبماذا تصح؟ وبماذا تَفسد؟
فأمَّا أنواعها فهي على ضربين: عامَّة وخاصَّة، والعامة منها على وجوه وهي أيضًا على ضربَينِ: منها ما يصِحُّ دون شرط، ومنها ما لا يصِحُّ إلَّا بشروط، فالذي يصِحُّ منها بغير شروط هي مثل ولاية الأب على ابنه، والرَّجل على أهلِه وعبيده، لأنَّ هذه قد صَحَّتْ بأمر مِن الله تعالى فلا تحتاج إلى شروط وسيأتي بيان ذلك في الكلام على الحديث الذي قال فيه صلَّى الله عليه وسلَّم: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) ).
والتي لا تصِحُّ إلَّا بشروط فمنها: ما هي ثابتة والشُّروط تأكيد لها ولوجه ما مع ذلك اقتضته الحكمة الرَّبانيَّة، ومنها: ما هي ثابتة والشُّروط تأكيدٌ للحقِّ وزيادةُ حقٍّ ثانٍ.