فأمَّا التي هي ثابتة والشُّروط تأكيد له ولوجه ما مع ذلك بمقتضى الحكمة الرَّبانيَّة فهي مثل بيعة {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] . لأنَّ كلَّ بيعة عَهْدٌ، فَبِذَات الرُّبوبيَّة ثبت الحق على العبودية، وهذه البيعة هنا تأكيد للحقِّ ولوجهٍ ما اقتضته الحكمة وهو تعليق التَّكليف بهذه البيعة ليُثَاب على الامتثال ويعاقب على الضد علَّة شرعية لا عقلية ولا عِلمية، ولهذا المعنى أشار صاحب «الأنوار» بقوله: «فرض في فرض لفرض لازم» ، يريد: أنَّ الفرض وجب على العبودية بنفس إيجاد الإلهيَّة لهم، ثمَّ تأكَّد بالعهد المأخوذ عليهم في هذا الموطن المذكور. والفرض اللازم هو: ما حكم عزَّ وجلَّ مِن الحكم المحتوم أن لا يستقر في دار كرامتِه إلَّا مَن امتثل أمرَه وَوَفَى بعهدِه أو ببعضِه، ويسامحه عزَّ وجلَّ مِن طريق الفضل والْمَنِّ لقوله عز وجل: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النِّساء: 48] .
هذا ما هو مِن طريق المنِّ والفضل، وأمَّا العَدل فهو ما تضمَّنَه قوله عزَّ وجلَّ في كتابه جوابًا لعيسى عليه السَّلام: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119] .
وأمَّا التي هي ثابتة والشروط تأكيد للحقِّ وزيادة حقٍّ ثانٍ فهي مثل البيعة للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. لأنَّه لمَّا أنْ أرسله عزَّ وجلَّ ثبتت البيعة له لقوله عز وجل في كتابه: {النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] . فقد قدَّمه عز وجل عليهم، فالبيعة له عليه السَّلام تصديق منهم لرسالتِه وإذعان لحكمه وتصديقهم له تأكيد لِمَا مَنَّ الله به عليهم.