وأمَّا التي لا تصحُّ إلَّا بشروط، والشُّروط هي الموجبة لها فهي على نوعين: إمَّا بتقديم الخليفة لشخص يرتضيه للمسلمين بَعْدَه كما فعل أبو بكر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ في توليتِه عمر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بعده، وإمَّا بإجماع المسلمين عليه بعد موت الخليفة، كما فعل الصحابة رضوان الله تعالى عنهم في اجتماعهم على عثمان رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بعد موت عمر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فهذا حُكْمٌ ثابتٌ إلى يوم القيامة لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ بَعْدِي ) ).
وأمَّا الخاصة منها فهي ما بَيَّنَ الشَّارع عليه السَّلام في الجماعة إذا سافروا أن يُقدِّموا رجلًا منهم عليهم وكذلك ما في معناه، لأنَّ ذلك كان لوجهٍ خاص ويتبيَّن ما فيه مِن المنفعة ببيان منفعةِ العامة إذا ذكرناها إن شاء الله تعالى، لأن فيها شَبَهًا منها.
وأمَّا حقيقة معناها على التَّقسيم المتقدِّم فهي بيع مِن البيوع، لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم
قال: (بَايِعُوْنِي) ولم يقل: (عاهِدوني) ، وهذا النَّصُّ يتضمَّن بمعناه شيئًا مِن أوصاف الرِّقِّ على ما أبيِّنُه إن شاء الله تعالى.
فإذا كانت بيعًا مِن البيوع فيحتاج إذًا إلى بيان المبيع ما هو؟ والثمن ما هو؟
فأمَّا المبيع في هذا الموضع فهو ترك ما للنفس مِن الاختيار وتفويض الأمر لصاحب البيعة ليتصرَّف صاحبُ البيعة فيمَن بايعَه بحسب ما أمره الله عز وجل، وهذا ضرب مِن الرِّقِّ؛ لأنَّ السيد قد يملكَ رقَبَةَ العبدِ فلم يبقَ للعبدِ اختيارٌ ولا تصرُّفٌ، لأنَّ مَن مَلَكَ الرقبة فقد مَلَكَ جميع المنافع، فأشبه ذلك العبد في انقياده دون استرقاق الرقبة وبقي المال لمالكه لا لصاحب البيعة ليس كما هو مال العبد لسيِّده، لأنَّه لم يشبه العبودية إلَّا في الذي ذكرناه لا غير.