فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 415

وأمَّا بحرُ الشهواتِ: فكثيرٌ ارتِجَاجُهُ، والقَدْرُ الذي أُبيحَ منه على لسانِ العلم فيه مِن التشويشاتِ هنا وهناك ما يَعجزُ الوصفُ عنه، أقلُّها - وهو مِن الجنسِ المَندوبِ إليهِ - وهو الجِماعُ وما يترتَّبُ عليهِ مِنَ الكدِّ في التَّكسُّبِ على العيالِ، وربَّما يكونُ لبعضِ الناسِ سببًا؛ لأن يقعَ في المحرَّماتِ مِن جهةِ الكَسْبِ، وَيتَعذَّرُ بأنْ يقولَ: العِيالُ خلفِي يُطالبونني بالرزقِ، ولا أَقدِرُ على غيرِ هذا الوجهِ، ثم ما يترتَّبُ عليهِ مِنَ السؤالِ عنهم فإنَّهم رعيَّتُه وكُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسؤولٌ عَن رعيَّتِه، وما فيهِ مِن إلزامِه نفقةَ البنينِ حتى يحتملوا مِن أجلِ شهوةٍ واحدةٍ، إلى غيرِ ذلكَ إذا تَتَبَّعْتَه، ومِن أجلِ الشَّهوةِ، قال صَلى اللهُ عليهِ وسَلم: (( تَعِسَ عبدُ الدينارِ، تَعِسَ عبدُ الدِّرهَمِ، تَعِسَ عبدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ عبدُ بَطنِهِ، تَعِسَ عبدُ فَرْجِهِ ) ). فلولا الشهوةُ التي حملتْهُ على ذلكَ ما دخلَ مِن حريةِ الطبعِ إلى رِقِّ الشَّهواتِ، ثمَّ معْ ذلكَ تَحجُبُهُ عن الوصولِ إلى مقامِ الخصوصِ، فإنهم قالوا رضي الله عنهم: تَركُ الشهواتِ قَرْعُ البابِ،

وقالَ العلماءُ في معنى قولِه تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} [الحجرات:3] ، قالوا: أزالَ عنها الشهواتِ، ولذلكَ كانَ عمرُ رضي الله تعالى عنه يقول: إِنِّي لأَطَأ ُالنِّساءَ وما لي إليهنَّ شهوةٌ، فقالوا: ولِمَ ذلكَ يا أميرَ المؤمنينَ؟ قالَ: رجاءَ أَن يُخرِجَ اللهُ مِن ظَهرِي مَن يُكَثِّرُ بهِ محمدٌ صلى الله عليه وسلم الأُمَمَ يومَ القيامةِ.

فانظرْ إلى هذا السيِّد كيفَ انقلبَتْ لهُ هذهِ الشهوةُ التي هيَ أكبرُ شهواتِ البشرِ عبادةً مَحضَةً، فما بالُكَ بغيرِها!

يُؤيِّدُ هذا قولُ مولانا جلَّ جلالُه على لسانِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم: (( لا يَزالُ العَبدُ يتقرَّبُ إليَّ بالنوافِلِ حتَّى أُحبَّه، فإذا أحبَبْتُهُ كنتُ سمعَهُ الذي يَسمعُ بهِ وبصرَهُ الذي يُبصِرُ بِهِ، ويدَهُ التي يَبطِشُ بها ) )، قالَ العلماءُ في معناه: لم تبقَ لهُ جارحةٌ يصرِّفُها إلا باللهِ وللهِ، فذهبت الشهواتُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت