وأمَّا بحرُ النفوسِ: فإنهُ لا غايةَ لهُ نعلمُها نحن، لكنَّ ركوبَه مِن أَجَلِّ المركوباتِ، لكنْ إذا كانتِ السفينةُ على ما شُرِعَ ونُدِبَ مِن أنْ يكونَ إنشاؤُها مِن عُودِ الإخلاصِ وملَّاحوها وجميعُ خُدَّامِها مِن أهلِ التواضعِ والافتقارِ لقولِه صلى الله عليه وسلم: (( أُوحِيَ إليَّ أنْ تتواضَعُوا ولا يَفخَرَ بعضُكم على بعضٍ ) )، ورِياحُها صِدقُ اللَّجَأ، فإنه عُنوان النَّجحِ، وبضائِعُ أهلِها التقوَى، فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] ، فإذا رُكِبَ على هذا الوضعِ نِيلَ فيهِ مِنَ الربحِ والفوائدِ ما لا يَعلَمُها إلا الكريمُ الوهَّابُ.
وأمَّا بحرُ العلمِ: فكما تقدَّمَ في بحرِ النفوسِ إلَّا أنهُ لا بدَّ لراكبِهِ مِن إطالةِ المُقامِ فيهِ حتى يَقوى بصرُ بَصيرتِهِ، فيُبصِرُ هواهُ فيَرجِعُ له منهُ قوةٌ في المِزاجِ، فيحنَئذٍ يُبصِرُ ما فيهِ مِن الأنوارِ والعِبَرِ والعجائبِ التي لا يُبصرُها غيرهُ، إلَّا أنه لا بدَّ لهُ مِن المُقامِ بعدَ إبصارِ تلكَ المعاني ليَحصُلَ له تهذيبُ النفسِ وزيادةٌ في اليقينِ، وقد قالَ صلَّى الله عليه وسلم: (( تعلَّمُوا اليَقينَ فإنِّي أَتَعَلَّمُهُ ) ).