فهرس الكتاب
السَّابع والعشرون: فيه دليل على أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان مستقلًا بنفسه في صعوده ولم يَحْتَجْ إلى مَن يعينه، لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال: (انْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ) فأفاد ذلك أنَّهما صعدا معًا لا يحتاج أحدهما للآخر، ولو قال: (انطلق بي جبريل) لأفاد ذلك أنَّ جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام كان حاملًا له أو معينًا، وهذا (أدلُّ دليل) على عظيم قدرة الله تعالى وأنَّه لا يعجزها شيء كما تقدَّم قبل، وعلى كرامة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعلوِّ منزلته، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أجرى العادة بأنَّ البشر لا يصعد في الهواء، وأجرى العادة للملائكة بالصعود والنزول بحسب ما شاءت القدرة، لأنَّهَم خلقوا مِن جوهر لطيف، وخلق البشر من جِوهر كثيف، فأبقى على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم صفة البشرية وأُعْطِي حال العالم العلوي حتَّى صار مع جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام كما ذكر، بل زاد على ذلك ما هو أعظم في المعجزة وأبهر وهو ركوبه على دابة مِن دوابِّ الأرض التي لا استطاعة لها بالصعود، كلُّ هذا إكرامًا له صلَّى الله عليه وسلَّم وتعظيمًا وإظهارًا لقدرة الله تعالى حتَّى رجع له عليه الصَّلاة والسَّلام ما كان عنده علمَ يقين مِن أن القدرة صالحة لكلِّ شيء عينَ يقين في هذه الأحوال المذكورة، فما طلبه أبوه إبراهيم عليه السلام مِن الانتقال مِن علمِ يقينٍ إلى عينِ يقينٍ في قوله: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] أعطي ذلك للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بغير طلب.