فهرس الكتاب
الوجه الثَّامن والثلاثون: قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (فَلمَّا جَاوَزْتُ بَكَى، فَقِيلَ: مَا يبكيكَ، قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا الغُلاَمُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي) يَرِد على هذا الفضل ثلاثة أسئلة:
الأَوَّل: أنْ يقال لِمَ كان بكاء موسى عليه السَّلام؟
الثَّاني: مَن هو الذي قال له: ما أبكاك؟ هل الملائكة أو الخالق عزَّ وجلَّ؟
الثَّالث: لِمَ قال موسى عليه الصَّلاة والسَّلام (هذا الغلام) ولم يقل غيرَ ذلك مِن الصِّيَغ؟
والجواب: عن الأَوَّل أنَّ الأنبياء عليهم السَّلام قد جعل الله تعالى في قلوبهم الرحمة والرأفة لأممهم وركَّبهم على ذلك، وقد بكى النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فَسُئِل عن بكائه، فقال: (( هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ في قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يرحمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ) )والأنبياء عليهم السَّلام قد أخذوا مِن رحمة الله عزَّ وجلَّ أوفر نصيب فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر مِن غيرهم، فلأجل ما كان لموسى عليه الصَّلاة والسَّلام مِن الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأُمَّته، لأنَّ هذا وقت إفضال وجود وكرم فرجى لعلَّ أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله تعالى أمته ببركة هذه الساعة.