فهرس الكتاب
فإن قال قائل: كيف يكون هذا وأُمَّته لا تخلو مِن قسمين: قسم مات على الإيمان، وقسم مات على الكفر، فالذي مات على الإيمان لا بدَّ له مِن دخول الجنة، والذي مات على الكفر لم يدخل الجنة أبدًا، فبكاؤه لأجل ما ذكرتم لا يسوغ، إذ إنَّ الحكم فيهم قد مرَّ ونفذ، قيل له: وذلك أن الله عزَّ وجلَّ قدَرهُ على قسمين: بما شاءت حكمته فقدَرٌ قدَّره، وقدَّر أن ينفذ على كل حال مِن الأحوال، وقدَر قدَّره وقدَّر أن لا ينفذ ويكون رفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير ذلك.
ومثل ذلك دعاء النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالثلاث دعوات لأمته، وهي: أن لا يُظهِر عليهم عدوًا مِن غيرهم، وأن لا يُهلِكهم بالسنين فأعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمُنِعَها عليه السلام، فاستجيب له عليه الصَّلاة والسَّلام في اثنتين ولم يستجب له في الثالثة، وقيل له: هذا أمر قد قدَّرتُه أي: أنفذته فكانت الاثنتان مِن القدر الذي قدَّره الله عزَّ وجلَّ، وقدر أن لا ينفذ بسبب الدُّعاء، وكانت الدعوة الثالثة مِن القدر الذي قدَّره عزَّ وجلَّ وقدَّر إنفاذه على كل الأحوال لا يرده رادٌّ، وسيأتي لهذا زيادة إيضاح في الكلام على آخر الحديث في فرض الصلاة خمسين.