فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 415

فلأجل ما رُكِّب موسى عليه الصَّلاة والسَّلام عليه مِن اللطف والرحمة بالأمة طَمِعَ لعلَّ أن يكون ما اتفق لأُمَّته مِن القدر الذي قدَّره الله عزَّ وجلَّ، وقدر ارتفاعه بسبب الدُّعاء والتضرع إليه وهذا وقت يرجى فيه التعطُّف والإحسان مِن الله تعالى، لأنَّه وقت أسري فيه بالحبيب ليخلع عليه خِلع القرب والفضل العميم فطمع الكليم لعلَّ أن يلحق لأمَّته نصيبٌ مِن ذلك الخير العظيم، وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( إنَّ للهِ نَفَحَاتٍ فَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ الله ) )وهذه نفحة مِن النفحات فتعرَّض لها موسى عليه الصَّلاة والسَّلام، فكان أمر قد قدر والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة بأنَّها فيه تؤثر، وما كان قضاءً نافذًا لا تردُّه الأسباب فإنَّه حتم قد لزم، كما تقدَّم في الدعوة الثالثة مِن دعوات النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لأمته.

ومثل هذا ما حكى الله عزَّ وجلَّ في كتابه عن عيسى عليه السلام حيث يقول يوم القيامة: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] وعيسى عليه السلام عالم بكفرهم إذ إنَّهم جعلوا لله ولدًا وجعلوا لله صاحبة، وعالم بأنَّ الكفار لا مدخل لهم في المغفرة لكن قال ذلك رجاء لعل أن يكون ذلك مِن القدر الذي قدَّره الله تعالى، وقدَّر أن لا ينفذ فكان مِن القدر الذي قدَّره الله تعالى وقَدَّرَ إنفاذه على كل حال، فقال عزَّ وجلَّ: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119] أي: الأمر كذلك لكن سبقت إرادتي وحكمتي ونفذ قضائي بأني لا أرحم اليوم إلا الصادقين دون غيرهم، فكان بكاء موسى عليه الصَّلاة والسَّلام مِن هذا القبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت