فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 415

فقومٌ خَلَقهم للسعادة لا غير واختصَّهم بعبادته وجعل العبادة لهم قوتًا وعيشًا ويسَّرها عليهم وأجراها لهم كمِثل النَّفَس لبني آدم وهم الملائكة.

وقومٌ خَلَقهم للشقاء والطرد والبعد وجعلهم أهلًا للشر وأسبابه وهم الشياطين.

وقومٌ خَلَقهم وأدارهم بين هذين القسمين، شقيُّ وسعيدٌ، وجعل لهم الثواب على الطاعات، وجعل لهم العقاب على المخالفات وهم بنو آدم والجن.

ثمَّ قسم بني آدم والجن على أقسام:

فمنهم القسمان المتقدِّمان، وخلق منهم طائفة يعصون فيتوب عليهم لقَوْله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَأَتَى اللهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ) )وخلق منهم قومًا يعصون فلا يغفر لهم، ولا حيلة لهم في السعادة بعدها للمقدور الذي سبق عليهم، وخلق منهم قومًا فيهم نصيب للعذاب ونصيب للرحمة.

فلو كان عزَّ وجلَّ تنفعه طاعة الطائع لخلقهم الكلَّ للطاعة، ولو كانت تضرُّه معصية العاصي لم يكن ليعفو عمن عصاه ولعاقبه على كلِّ حالٍ، ولأجل هذه المعاني التي أشرنا إلى شيء منها قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَة ) )وفي رواية: (( خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ الدَّهْرِ ) )لأنَّه إذا تفكر المرء في شيء من هذه القدرة العظمى والحكمة الكبرى بان له الحقُّ واتَّضح فأذعن عند ذلك لله وسلَّم له في مقدوره وازداد بذلك محبَّة في التعبُّد لمن له هذا الملك العظيم، إذ بالعبادة يتقرب إليه فأَنِس عند ذلك بها واستوحش مِن ضدها، وأَنِس بالخلوة عن الخلق لأجل فراغه للتعبد والنظر فيما أشرنا إليه، واستوحش عند المخالطة لذهاب ذلك الوصف عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت