الحادي عشر: فيه دليل على شرف النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعلوِّ قدْره عند ربه عزَّ وجلَّ إذ إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام ما دام يطلب التخفيف أُسعِف وأُجِيب، فلمَّا أن وقع منه التسليم أمضى الله عزَّ وجلَّ فريضته فصادف اختياره عليه الصَّلاة والسَّلام ما أراد الله تعالى إنفاذَه وإمضاءَه، وقد نصَّ عزَّ وجلَّ على ذلك في كتابه حيث قال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80] فكل ما يأمر به عليه الصَّلاة والسَّلام أو يشير به إنَّما هو عن الله تعالى صادر كان بواسطة أو بغير واسطة قال تعالى في حقِّه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]
الثَّاني عشر: فيه دليل على أنَّ قدر الله تعالى على قسمين كما قدَّمناه، فالقدر الذي قدَّرَه وقدَّر أن لا ينفُذ بسبب واسطةٍ أو دعاءٍ مثل ما هو فرضه هنا للخمسين صلاة، لأنَّه عزَّ وجلَّ لَمَّا أن أَمَرَ بالخمسين أوَّلًا وسَبَقت إرادتُه أن لا ينفُذ ذلك جعل بحكمته موسى عليه الصَّلاة والسَّلام هناك سببًا لرفع ذلك والقَدَر الذي قدره عزَّ وجلَّ وقدر إنفاذه ولا يردُّه رادٌّ هو فرضه
للخمس الصلوات، لأنَّه عزَّ وجلَّ لَمَّا أن أمر بها وسبقت إرادته بإمضائها لم ينفع كلام موسى عليه الصَّلاة والسَّلام إذ ذاك، إذ إن ذلك كان مِن القدر المحتوم.