فلمَّا كانت كثيرة كانت طرقها كثيرة مختلفة، لأنَّه ليس ما يُتوصل به إلى علم القرآن هو الذي يُتوصل به إلى علم الحديث، وكذلك العلوم كلُّها لكلِّ علم اصطلاح يخصُّه وهو الطَّريق إليه، فلكثرة هذه الطُّرق أتى بها نكرة فمَن أتى لعلمٍ واحدٍ منها سهَّل عليه ذلك الطَّريق الواحد، وإن أتى بمجموعها سُهِّلت عليه الطُّرق كلُّها، وهذا مثل ما أخبر صلَّى الله عليه وسلَّم عن الأعمال (أنَّ صاحب كلِّ عمل يُدْعَى مِن باب مِن أبواب الجنَّة يختصُّ بذلك العمل حتى قال في آخره:(( وَيُدْعَى الصَّائِمُ مِنْ بابِ الرَّيَّانِ ) ). فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما على كلِّ مَن يُدعَى مِن تلك الأبواب كلِّها مِن ضرورة، فقال عليه السَّلام: (( وأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ) ).
فكذلك مَن طلب العلوم الشَّرعية كلها قَرُبَ مِن كلِّ باب مِن تلك الأبواب، فإن طلب البعض وترك البعض قَرُبَ من بعض دون بعض. جعلنا الله تعالى ممَّن طلب الكلَّ وسهَّل عليه الوصول إلى الكُلِّ، ونُودِيَ مِن الكلِّ بمنِّه وكرمه لا ربَّ سواه تعالى عزَّ وجلَّ.