أحس بإدراكها زيادةً يجدها على ما يخبرون هُم بذلك، فأكَّدها صلَّى الله عليه وسلَّم بأشدَّ من الأوَّل ويكون معنى المثال في تحقيق الرؤية لا في الكيفيَّة، لأنَّ القمر والشَّمس متحيِّزان، والحقُّ سبحانه وتعالى ليس بمتحيِّز، وليس أيضًا شيءٌ من مخلوقاته يشبهه هذا بدليل العقل والنقل.
فأمَّا من طريق العقل: فبالإجماع منهم أنَّ الصنعة لا تشبه الصَّانع والشَّمس والقمر خَلقٌ من خلقه عزَّ وجلَّ فليس بينهما شبَهٌ بوجه من الوجوه.
وأمَّا من طريق النَّقل فما جاء في التَّنزيل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] ، وإنَّما العربُ تشبِّهُ الشيء بالشيء لشبهٍ ما يكون فيه كقولهم: (زيدٌ مثلُ الأسد) ، والبشرُ ليس بينه وبين الأسدِ في الخِلقة مماثلة، وإنَّما شبَّهوه به لكثرة شدَّته، ومثل ذلك قولهم: (فلانٌ مثلُ القمر) ولا شبه في الخِلقة بينهما، وإنَّما شبَّهوه به لحُسنه، هذا في المحدَثَات التي بينهم نسبة الحدوث فكيف بمن لا نسبة بينه وبين خلقه جلَّ جلالُه؟
وهذا مِثلُ ما يقولُ النَّاس بعضهم لبعض إذا سأل أحدهم الآخر في أمر: هل هو حقٌّ أم لا؟ فيحلف له أنَّه حقٌّ كما أنت موجود في الوجود؛ لأنَّ علم الضَّرورة لا يشكُّ أحدٌ فيه فردَّ لهم صلَّى الله عليه وسلَّم علم الإيمان بالرؤية الذي هو من قبيل التَّصديقِ بالغيب من قبيل علم الضَّرورة الذي هو مقطوعٌ به لا يخالف فيه أحدٌ في الوجود.
وعلم الضَّرورةُ هو أن تسلم أنَّ السماءَ فوقك موجودةٌ، وأنَّ الأرضَ تحتك موجودةٌ، وأنَّك فيها موجود الآن، وكذلك ما أدركتَه من جميع الموجودات تشهد بالقطع الذي لا ارتياب فيه بأنَّها موجودة حِسًّا.
وفيه من الفقه: جوازُ الاستدلال بالعلم النَّظريِّ على علم الضَّرورة وبنائه عليه.