وفيه من الفقه أيضًا: أنْ يُخاطَبَ كلُّ شخص بما يفهمه؛ لأنَّ العرب فهموا عنه صلَّى الله عليه وسلَّم المعنى الذي أشرنا إليه ولو كانوا غير عرب لم يبيِّن لهم عليه الصَّلاةُ والسَّلام إلَّا بما كانوا يفهمون عنه يؤيِّدُ ذلك قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام: (( خَاطِبُوا النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ ) )أي: على قدر ما يفهمون، وعلى رواية: (( تُضَامُّون ) )أي: لا تتضاغطون، لأنَّ القمر إذا ارتُقِب في أوِّل ليلة تضاغط النَّاس على مَن أبصره لكي يُريهم إياه ويتعبون في إدامة النَّظر إليه. وبعضهم يتعب وقد لا يراه لضعف بصره، وإذا كان ليلة كماله لم يتضاغط أحد مع أحد ولا يتعب أحد في رؤيته بل قد كسا نورُه جميعَ الأرض، وانشرحت له الصُّدور فيكون معنى هذا الوجه مثلَ الأوَّل في تحقيق الرُّؤية وزيادة معنى ثان: إنَّكم أيَّها المؤمنون كلُّكم ترون ربَّكم يوم القيامة على حدٍّ واحدٍ برِّكم وفاجركم كما ترون البدر عند كماله دون سحاب، والشَّمس دون سحاب بلا تعب كذلك ترون ربَّكم حقًّا لا تفاوت بينكم في ذلك كما يشهد له آخر الحديث.
وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (تَرَوْنَهُ) كذلك عائد على تحقيق الرُّؤية التي أخبر بها عليه السلام من أنهم لا يَشُكُّون في القمر ولا في الشمس بتلك الصفة فيقول: كذلك ترونه بلا ريب ولا امتراء.
وهنا تنبيهٌ وهو أنَّه لا يلزم من الرؤية التَّحديد ولا الإحاطة؛ لأنَّ بعض مخلوقاته سبحانه لا نراها ونعلم بالقطع أنَّها محدودةٌ، ولكن لا نحيط نحن بها مثل السَّماء والأرض نحن ندركُ كل واحدة منهما ونبصرها ولا نحيطُ بها ونحن نعلم بالضَّرورة أنَّها محصورةٌ محدودةٌ فكيف بمن ليس كمثله شيء؟.