فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 415

وقد يكونُ صلى الله عليه وسلم لم يَعلمْ في الوقتِ إلا بالذي أَخبَرَ به في الحديثِ الواحدِ ثمَّ بعدَ ذلكَ أَخبرَ بالغيرِ كما قالَ عليهِ السلامُ في حديثِ عذابِ القبرِ: (( مَا مِن شَيءٍ لم أَكنْ أُريتُهُ إلا رَأَيْتُه في مَقامِي هذا ) )؛ لأنَّ نزولَ الأحكامِ مُفترقةً أيسرُ على المُكلَّفِ مِن أنْ يكونَ جملةً، هذا مِن طريقِ اللطفِ واللهُ لطيفٌ بعبادِه.

وفيه وجوهٌ أُخَرُ لأنَّ دوامَ تعميرِ الأوقاتِ بالإخبارِ بأمورِ الدينِ وبشائرِه وأحكامِه نشطٌ لنفوسِ العبيدِ وإظهارُ الرحمةِ بهم، فإنَّ تردادَ أوامرِ الموالي على العبيدِ وبشائرَهم وجوائزَهم ومراسلاتهم دليلٌ على العنايةِ بهم، ولا شيءَ أفرحُ لقلوبِ العبيدِ مِن علمِهم باعتناءِ الموالي بهم وتكرارِ نِعَمِهم عليهم، ولذلك أخبرَ عن أيوبَ عليهِ السلامُ لمَّا عافاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ أنزلَ عليهِ فَراشًا مِن ذَهَبٍ ملأَ كلَّ ما لهُ مِنَ الأوانِي ثمَّ رأَى جرادةً مِن ذهبٍ تطيرُ فجرى وراءَها، فأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إليهِ: ما أقنَعَكَ كلُّ ما أعطيتُكَ؟ قالَ: بلى يا ربُّ، ولكنْ مَن يشبَعُ مِن خيرِكَ؟ فشكرَ اللهُ لهُ ذلكَ.

وفيه دليلٌ على أنَّ أعمالَ الخيرِ دالَّةٌ على سعادةِ الشخصِ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن قولِه عليهِ السلامُ: (سَبعَةٌ يُظلُّهُم اللهُ) ، فجعلَ مُوجِبَ الظلِّ تلكَ الأعمالِ.

وفيهِ دليلٌ على أنَّ جميعَ أفعالِ البرِّ مَطلوبةٌ مِنَّا وإنْ لم يكن بعضُها فرضًا، يُؤخَذُ ذلكَ مِن وصفِه عليهِ السلامُ ثوابَ الأعمالِ، ولم يأمرْ بعملِها؛ لأنَّ كثرةَ الربحِ تحضُّ بضمنه على المعاملة.

وفيه دليلٌ على أنَّ أمرَ الآخرةِ بضدِّ أمرِ الدنيا، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّ الدنيا نُدِبَ إلى التقليلِ منها، كقولِه عليهِ السلامُ: (( فاتَّقُوا اللهَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت