فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 415

وأَجمِلُوا في الطَّلَبِ )) ، والآخرةُ رغَّبَ في التكثيرِ منها وإنْ كانَ الشخصُ معهُ مِن العملِ ما يتخلَّصُ بهِ، وقد زادَ ذلكَ إيضاحًا قولُه تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر:6] ، أي: لا تقلْ معي مِنَ الأعمالِ مَا يكفيني فتُقلِّلَ مِن العملِ، على أحد الأقاويل.

وفيه دليلٌ على أنَّ إعطاءَ الأجورِ على الأعمالِ لا تترتَّبُ على علَّةٍ عقليةٍ ولا علية، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّ هذهِ الأعمالِ السبعةِ فيها واجب وفيها مندوب، والثوابُ فيها على حدٍّ واحدٍ، وقد أجمعتِ الأمَّةُ بمقتضى الأدلَّةِ الشرعيةِ على أنَّ الفرائضَ أعلى مِن غيرِها مِن الأعمالِ، فلو كانَ الثوابُ لعلَّةٍ مِن العللِ ما كانَ يساوي بينَ ثوابِ الفرضِ والندبِ، وقد ساوَى هنا بينهما، فليسَ لعلَّةٍ.

فإن احتجَّ مُحتجٌّ بأنْ يقولَ: تَسَاوَوْا في أنَّ الظلَّ عمَّهم، وتفاوتوا فيهِ في عِظَمِهِ وامتدادِه وغيرِ ذلكَ مِن حُسنِ أوصافِه، كما أنَّ أهلَ الجنةِ يدخلونَ الجنةَ ويتفاوتونَ في المنازلِ فيها، فالجوابُ: أنَّ الذي أخبرنا بالجنِّةِ أخبرَ بتفاوتِ المنازلِ فيها، والذي أخبرَ بالظلِّ لم يُفرِّق، وأمورُ الآخرةِ هي غيبٌ، والغيبُ لا مجالَ فيهِ للقياسِ ولا للعقلِ، وإنما الشأنُ فيها التصديقُ بها على ما جاءت بهِ، اللهمَّ إلا أنْ يكونَ بعضُ ما يُستدَلُّ بهِ على الزيادةِ في الأجرِ إذا نُظِرَ مِن طريقِ الجمعِ بينهما، فيُرجَعُ إلى طريقِ الإخبارِ كما هو.

وفيه دليلٌ على أنَّ بعضِ الفرائضِ ثوابُها أعلى مِن غيرِها؛ يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّ الذي هنا مذكورٌ مِن الفرائضِ ثوابُه أكبرُ مِن غيرِه مِن الفرائضِ، لأنَّ المعافاةَ مِن هَولِ ذلكَ اليومِ أكبرُ الثوابِ، لأنَّ مَن عُوفِيَ منه لم يبقَ عليه خوفٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت