وفيه دليلٌ على أنَّ بعضَ المندوباتِ ثوابُها أعلى من ثوابِ بعضِ الفرائضِ، يُؤخَذُ ذلكَ من قولِه عليهِ السلامُ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم اللهُ) ، والأكثرُ من السبعةِ هو مِن بابِ المندوبِ، وهذا الثوابُ لم يأتِ مثلُه على بعضِ الفرائضِ.
وهنا بحثٌ: كيفَ يجتمع أن بعضُ المندوباتِ أفضلُ ثوابًا مِن بعضِ الفرائضِ؟ وقال صلى الله عليه وسلم حكايةً عن مولانا جلَّ جلاله: (( لنْ يتقرَّبَ المُتقرِّبُونَ إليَّ بأَفضلَ مِن أداءِ ما افترضْتُ عليهِم ) ). والأفضلية تعطي الأفضليةَ في الفائدةِ! فالجوابُ: أنه ما يصحُّ له علم ثواب المندوب إلا بعدَ تحصيلِ المفروضِ؛ لأنه إذا عملَ المندوبَ ولم يأتِ بالمفروضِ استوجبَ دخولَ النارِ، وقد جاءَ أنَّ وادٍ في جهنمَ يُسمَّى: (الغَيُّ) ، هو لمن تركَ شيئًا مِن الفرائضِ، ومَن تركَ المندوبَ فلا عقابَ عليهِ، غيرَ أنهُ فاتَه ثوابٌ عظيمٌ.
فصورةُ الجمعِ بينَ الوجهينِ أنْ تقولَ: إنَّ الفرائضَ أرفعُ؛ لأنَّها في الوعدِ الجميلِ مَن جاءَ بها لا يدخلُ النارَ، وبعضُ المندوبِ أكبرُ ثوابًا مِن الفرضِ، لكنَّ ذلكَ الفرضَ وإن كانَ ثوابُه أقلَّ مِن أجرِ المندوبِ فقد فاتَه الفرضُ بأمرٍ أعظمَ مِن ذلكَ، وهو البعدُ مِن النارِ، وقد قالَ صلى الله عليه وسلم: (( لَو لمْ يكنْ إلا النجاةُ من النارِ لكانَ فوزًا عظيمًا ) ). فوقعَ الفرقُ بأنَّ الواحدَ وهوَ المندوبُ أكثرُ ثوابًا، والآخر وهو الفرض أكثر فائدةً، والفائدةُ تحوي أشياءَ مِن المنافعِ عديدةً، وتعظيمُ الأجرِ لا يقتضي زيادةً على غيرِه غيرَ التفضيلِ في ذلكَ الوجهِ الواحدِ ليسَ إلَّا، كقولِنا مثلًا: